الفضاء الرقمي ومرشحو الانتخابات: سخرية واستغلال الترند للوصول إلى قبة البرلمان
أصبح الفضاء الرقمي جزءًا أساسيًا من حياة الناس، ولا سيما أولئك الذين يسعون للتواصل والتأثير، نظرًا لتداخل هذا الفضاء في مجالات عديدة مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، وغيرها. لم يعد الدخول إلى هذا الفضاء مجرد ترف، بل أصبح أداة رئيسية لإدارة الرأي العام وتوجيه السلوك المجتمعي بناءً على ما يُطرَح ويؤثر فيه الشخص.
ومع اقتراب العراق من موعد الانتخابات، أصبح الفضاء الرقمي ساحة مركزية للحملات الانتخابية، قبل انطلاقها الرسمي. بدأ المرشحون يركزون بشكل واضح وكبير على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما لم يكن عليه الحال في السابق حيث كان التركيز منصبًا على اليافطات والشعارات المعلقة على جدران الشوارع للوصول إلى الناخبين. هذا التحول لم يكن مجرد خيار للمرشحين، بل أصبح ضرورة فرضها التغيير المجتمعي واهتمام الجمهور المتزايد بالفضاء الرقمي.
البروباغندا الرقمية وتغيير الصورة العامة
بدأ بعض المرشحين والمرشحات في التركيز على ظاهرة “الترند”، أو كما يُطلق عليها باللهجة العراقية “الطشة”، مستغلين الكاريزما، الصور الجذابة، بل وحتى الفكاهة، بالإضافة إلى استغلال بعض الحالات الإنسانية للترويج لصفحاتهم. كما يستخدمون إمكانية شراء المتابعين والتفاعل الوهمي لإظهار شعبية المرشح عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بدلاً من تقديم الأفكار التي يحملونها أو المشاريع التي يخططون لها بشكل عملي. كل هذا بهدف التأثير على الجمهور وخلق صورة وهمية رقمية للمرشح، الذي يصفه البعض بـ “المرشح الحرك”، أي الذي يتحرك كثيرًا ويتفاعل مع الناس بشكل مبالغ فيه.
في ذات السياق، سعت بعض المرشحات إلى تغيير صورتهن العامة في المجتمع لدخول “الترند الرقمي”، وذلك بهدف تواجد أسمائهن في أكبر عدد من الأوساط الجماهيرية سواء بشكل سلبي أو إيجابي. اعتمدت بعضهن على الهجمة المضادة التي تقودها ما يُسمى بـ “الجيوش الإلكترونية”، بهدف خلق صورة مغايرة لهن، بما يتناسب مع فئات معينة من الجمهور المستهدف، مثل استخدام مفاهيم مثل (الدين، الحرية المدنية، التطور، والتغيير).
الفضاء الرقمي بين ضربة الحظ والتحكم المدفوع
أصبح من المعروف أن الفضاء الرقمي العراقي، عند توجيهه نحو قضية معينة (الترند)، يمتلك القدرة على التأثير الكبير، لدرجة قد تصل إلى تغيير القوانين الحكومية في مختلف المجالات، أو توجيه المجتمع نحو قضية وان كان لايؤمن — والأمثلة على ذلك كثيرة.
في هذا السياق، يسعى بعض المرشحين والمرشحات، ممن لا يملكون ميزانيات مالية كافية للسيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى البحث عن “ضربة الحظ” تلك، فيستغلون أي قضية رائجة قد تتيح لهم الظهور في الترند وحجز مكان فيه، ليصبح ذلك جزءًا محوريًا من دعايتهم الانتخابية. وغالبًا ما يختار هؤلاء القضايا التي تجذب أكبر عدد ممكن من المتابعين، بغض النظر عن مدى انسجام تلك القضايا مع قناعاتهم الشخصية أو مبادئهم.
في المقابل، هناك من يمتلك القدرة المالية الكافية للهيمنة على الفضاء الرقمي، من خلال شراء دعم المؤثرين والتعاقد مع وكالات وصفحات مؤثرة، لتروّج لأسمائهم وأفكارهم بشكل ممنهج ومدفوع.
سخرية الناخب الرقمي واشتراكه في صناعة البعض
يتعامل الشباب، الذين يشكلون غالبية مستخدمي الفضاء الرقمي، مع حملات المرشحين بطرق متنوعة، مثل السخرية المستمرة من أي نشاط يقوم به المرشح أو المرشحة، خاصة تلك الأنشطة التي تكون مخالفة للذوق العام، أو التي تحمل شعارات قد تثير جدلاً، مثل الشعارات التي تستهدف فئات معينة دون غيرها. بالإضافة إلى تلك التي تصبح مادة دسمة للتفاعل عبر السوشيال ميديا، حيث يتم تداولها بهدف جذب التفاعل والاهتمام.
كل ذلك يدخل ضمن الحملة الانتخابية للمرشح، حيث يسعى لإظهار اسمه وصورته بشكل مستمر بغض النظر عن المضمون. من خلال استغلال السخرية، يحاول المرشح خلق رأي مغاير يوجهه نحو فئة معينة بهدف إقناعها بأن السخرية التي يتعرض لها لا تضر به شخصياً، بل تضر في المقابل بمعتقدات هذه الفئة، سواء كانت دينية، عقائدية، أو حتى عاداتهم وتقاليدهم. بهذا الشكل، يحوّل المرشح السخرية إلى وسيلة لتوجيه الهجوم نحو خصومه، مع الحفاظ على صورة من “الضحية” التي لا ترد على الإساءة، مما يعزز تأييد بعض الفئات التي تسانده ضد هذا النوع من الهجوم.
الأرشيف الرقمي ( screenshot ) سلاح الهجوم والدفاع
في العمليات الانتخابية والحملات الإعلامية العراقية السابقة، لم يكن الفضاء الرقمي يشكل الركيزة الأساسية للمرشحين، بينما أصبح اليوم، كما ذكرنا في بداية المقال، جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية. أصبح الفضاء الرقمي ساحة حيوية للمنافسات الانتخابية، حيث أن العديد من المرشحين كانوا في السابق ينتمون إلى فئات معينة أو يحملون أفكارًا تختلف عما يطرحونه حاليًا.
في هذا السياق، أصبح الأرشيف الرقمي، والذي يتجسد بعض الأحيان في لقطات الشاشة (Screenshot)، أداة دفاعية وهجومية على حد سواء. فعندما يتعرض المرشح للهجوم، يلجأ البعض إلى إظهار منشورات أو مواقف سابقة كانت قد نشرت في وقت ما، ليستخدمها كأدلة على تغير مواقفه أو لمواجهة الهجوم عليه. من جهة أخرى، يُستغل الأرشيف الرقمي أيضًا من قبل خصومه للرد والهجوم عليه، سواء كان ذلك من خلال نشر مواقف سابقة قد تحمل تناقضًا مع المواقف الحالية أو عبر إعادة نشر منشورات قديمة بهدف تشويه صورته وإضعاف مصداقيته.
وفي الكثير من الأحيان، لا يقتصر هذا الأمر على تقديم الحقائق، بل قد يتضمن التضليل والزيف، مما يجعل هذه الأدوات الرقمية وسيلة لخلق “حقائق” موازية وتحقيق تأثيرات إعلامية أكبر على الجمهور.
كل ما ذُكر أعلاه يُعتبر بمثابة قراءة لبداية المعركة الإلكترونية في الحملات الانتخابية لبعض المرشحين في العراق، حيث يسعى كل طرف للوصول إلى قبة البرلمان ، بغض النظر عن مدى جدية مشروعه الانتخابي أو إمكانية تنفيذه. هذه المعركة ليست بالأمر السهل على أي مرشح، خاصة في ظل ارتفاع الوعي واحترافية استخدام الفضاء الرقمي لدى الناخبين، الذين مروا بتجارب انتخابية عديدة، وأصبحوا أكثر إدراكًا للواقع الحالي الذي يعيشه المواطن، والخدمات التي يبحث عنها في المرشحين.
