في قصة مُلهمة للدفاع عن الحقوق الرقميّة، شهدت الولايات المتحدة عام 2012 إحدى أكبر حركات الاحتجاج الرقمي في التاريخ، حيث أنتفض الناس للدفاع عن حرياتهم الرقميّة، تمثّل ذلك في انتفاضة شعبية وعلى مستوى كبرى شركات التكنولوجيا ضد مشروعي قانون SOPA (إيقاف القرصنة على الإنترنت) وPIPA (حماية الملكية الفكرية)
حيث استهدفت هذه القوانين المقترحة مكافحة القرصنة الرقمية، لكنها قوبلت بمعارضة شرسة بسبب مخاوف من أنها ستفرض رقابة واسعة على الإنترنت وتمُس بحرية التعبير على الأنترنت وحق الوصول له.
خلفية: ما هي قوانين SOPA وPIPA؟
مشروع قانون( SOPA (Stop Online Piracy Act) أو قانون وقف القرصنة على الإنترنت هو مشروع قانون قُدّم في مجلس النواب الأمريكي يوم 26 أكتوبر 2011 من قبل النائب الجمهوري لامار سميث، يهدف SOPA إلى توسيع سلطة السلطات الأمريكية لمكافحة القرصنة عبر الإنترنت من خلال إجراءات صارمة؛ حيث يسمح لوزارة العدل الأمريكية وأصحاب حقوق النشر بملاحقة المواقع الأجنبية المتهمة بانتهاك حقوق الملكية الفكرية، كما ينص المشروع على إمكانية إصدار أوامر قضائية لإجبار مزودي خدمات الإنترنت على حجب مواقع معينة، ومنع محركات البحث من إظهارها في النتائج، وكذلك منع شركات الإعلانات والدفع الإلكتروني من التعامل معها، كما يجرّم بث المحتوى المحمي بدون إذن مثل الفيديوهات المقرصنة ويفرض عقوبات تصل الى السجن لمدة خمس سنوات.
أما مشروع قانون( PIPA (Protect IP Act) أو قانون حماية الملكية الفكرية هو نظير SOPA في مجلس الشيوخ الأمريكي، وقد طُرح في مايو 2011، يحمل PIPA أهدافاً مشابهة لـSOPA في مكافحة المواقع الأجنبية التي تنتهك حقوق النشر والقرصنة، عبر إجراءات حجب المواقع ومنع وصول التمويل والإعلانات إليها
الجهات الداعمة للمشروعين:
حظيَّ SOPA/PIPA بدعم قوي من قبل شركات ومؤسسات صناعة المحتوى الترفيهي في الولايات المتحدة التي تواجه سرقة لأنتاجاتها، برزت من بينها رابطة صناعة التسجيلات الأمريكية (RIAA) واتحاد شركات الأفلام في هوليوود (MPAA) وشركات إنتاج الموسيقى والأفلام والألعاب الإلكترونية، جادلت هذه الجهات بأن القوانين ضرورية لحماية حقوق الملكية الفكرية ووقف الخسائر الاقتصادية الناتجة عن القرصنة، وقد أيّدته أيضًا عدة شركات كبرى في قطاعات أخرى اعتقادًا منها بأهميته لحماية منتجاتها من التقليد والقرصنة؛ على سبيل المثال أيَّدت شركات مثل سوني وأديداس وكوكاكولا وفورد مشروع SOPA في بدايته ضمن رؤيتهم بأن القانون سيحمي صناعة الإبداع وفرص العمل المرتبطة بها، ويوفر أدوات أقوى لفرض القانون ضد المواقع الأجنبية التي تُفلت من التشريعات الأمريكية الحالية .
الجهات المُعارضة:
في المقابل، واجه SOPA/PIPA معارضة شديدة من شركات التكنولوجيا والحقوقيين والجمهور العام منذ الكشف عن بنودهما. فيما يلي أبرز دوافع الإعتراض التي تفجّرت إلى موجة غضب:
- تهديد حرية التعبير: اعتُبر التشريع المقترح تهديداً خطير ينسف الحقوق الرقميّة للأفراد ولحرية التعبير والإبداع على الإنترنت، إذ يمكن أن يؤدي إلى رقابة غير مسبوقة على المحتوى بحجة حماية الحقوق، حيث حذّرت منظمات مدافعة عن الحقوق الرقمية أن منح الحكومة والشركات صلاحية حجب مواقع كاملة بسبب تجاوز صغير أشبه بـ“إسكات” الإنترنت، أو شرعنّة للقمع .
- حجب مواقع بأكملها بسبب مخالفة واحدة: خوّف القانون المنتقدين لأنه قد يمنع الوصول إلى نطاق رقمي بالكامل بسبب محتوى غير مشروع في صفحة واحدة فقط، بمعنى أنه لو نشر مستخدم تدوينة أو فيديو مقرصن في موقع واسع كمنصة تدوين أو شبكة اجتماعية، يمكن أن يُحجب النطاق بأكمله رغم كون معظم محتواه مشروعاً.
- تقويض مبدأ “الملاذ الآمن” للمواقع: أبدت جهات مثل جمعيات الكُتاب والكتب قلقها من أن تطبيق القانون سيُلغي الحماية القانونية الحالية للمواقع التي تستضيف محتوى المستخدمين (الواردة في قانون الألفية للملكية الرقمية DMCA)، حيث سيفرض مسؤولية مباشرة على المنصات عن محتوى مستخدميها، مما يعرض مواقع مثل يوتيوب وفيسبوك وغيرها للملاحقة وربما الإغلاق.
- فرض رقابة تقنية وإضعاف أمن الإنترنت: يتضمن SOPA إلزام محركات البحث بحذف روابط المواقع المحظورة من نتائجها، وإجبار مزودي الخدمة على حجبها من نظام اسماء مطاقات الانترنت (DNS), رأى المعارضين في ذلك خطوة خطيرة تشبه أساليب الرقابة في الدول الاستبدادية ، وقد تؤدي إلى سباق عالمي نحو حجب المحتوى المشتبه به، مما فجّر صدى واسع وصل إلى إن البيت الأبيض أعرب عن قلقه من أن بعض الإجراءات المقترحة “ستزيد مخاطر الأمن على الإنترنت” نتيجةً للعبث ببنية نظام أسماء النطاقات (DNS).
- أدوات لمراقبة الشركات للإنترنت: اعتُبر القانونين منحازين لكبرى شركات الإعلام على حساب باقي أصحاب المصالح في الإنترنت، مما يُناقض المصلحة العامة، كما وُصفا بأنهما سيجعلان فرض الرقابة سهلاً ومشرعاً بحجة حماية الحقوق، بحيث تستطيع شركات الأفلام والموسيقى الضغط لإغلاق أي منصة ترى أنها تضر بمصالحها التجارية، وقد أثار ذلك مخاوف من استغلال القانون لخنق المنافسين أو المحتوى الانتقادي تحت ذريعة القرصنة.
إلى جانب هذه المخاوف التقنية والحقوقيّة، لاقى المشروعان رفضاً واسع من عمالقة الويب والتكنولوجيا
فقد أعلنت شركات مثل غوغل وموزيلا وفيسبوك وويكيبيديا وتويتر وريديت وغيرها معارضتها الصريحة لـSOPA/PIPA، ورأى روّاد الإنترنت أن بضع شركات إعلامية كبرى لا يجوز أن تتحكم بسياسة الإنترنت وفق مصالحها الخاصة، ولا السياسيين الساعين إلى كسب رضا هذه الشركات، وفقًا لهذه الدوافع تشكّلت جبهة واسعة ضمت شركات التقنية ومجتمع الإنترنت والمنظمات الحقوقية والمنتديات ورواد الأعمال، واجتمعت كلها تحت شعار الدفاع عن إنترنت حر ومفتوح وعدم التضحية به في سبيل مصالح اقتصادية أو سياسيّة ضيقة.
تسلسل الاحتجاجات ضد SOPA/PIPA
الفترة التحضيرية أواخر 2011
مع تصاعد القلق من مشروعي القانون في أواخر عام 2011، بدأت بوادر التعبئة ضدهما على الإنترنت. في نوفمبر 2011 نظمت منظمات رقميّة أمريكية ما سُمي “يوم الرقابة الأمريكي” حيث وضعت مواقع عديدة شعارات سوداء على صفحاتها تنديداً بمشاريع الرقابة على الإنترنت، وفي 10 ديسمبر 2011 لفت جيمي ويلز المؤسس المشارك لويكيبيديا الانتباه إلى خطورة قانون SOPA، واصفاً إياه بأنه “أسوأ بكثير” من مشروع قانون رقابي آخر واجهته ويكيبيديا الإيطالية قبل مدة ليست طويلة، اقترح جيمي ويلز على مجتمع ويكيبيديا العالمي فكرة تعتيم ويكيبيديا كوسيلة احتجاج، مستلهماً قصة نجاح ويكيبيديا الإيطالية التي حجبت محتواها احتجاجاً على قانون في إيطاليا آنذاك ( قانون التنصت) الذي كان نصّه ( يمكن لأي شخص يعتبر أن محتوى ما على الإنترنت يضر بسمعته أن يطلب من الموقع نشر تصحيح خلال 48 ساعة، دون الحاجة إلى حكم قضائي أو تحقق من صحة الادعاءد في حال عدم الامتثال، كان الموقع معرضاً لغرامة تصل إلى 12,000 يورو) وقد نجحت بخلق رأي عام منع تطبيق القانون على ويكبيديا الإيطالية
تزامن ذلك مع ظهور حملات شعبية لمقاطعة بعض الشركات الداعمة لمشروع القانون، أبرزها حملة ضد شركة تسجيل النطاقات GoDaddy التي كانت تؤيد SOPA، إذ قام عشرات الآلاف من أصحاب المواقع بنقل نطاقاتهم منها في ديسمبر 2011 مما اضطر الشركة للتراجع عن دعم المشروع.
بحلول نهاية العام، كانت حالة من الإستنفار الرقمي قد تشكلت، وتم التحضير لتحرك أكبر مع بداية العام الجديد، خاصة مع تحديد موعد للتصويت على مشروع PIPA في مجلس الشيوخ يوم 24 يناير 2012 .
ذروة الإحتجاج: انتفاضة 18 يناير 2012
في 18 يناير 2012 وصلت حملة الاحتجاج ذروتها عبر إضراب رقمي غير مسبوق ليوم واحد، شاركت مئات المواقع الإلكترونية الشهيرة في يوم تعتيم احتجاجي ضد SOPA وPIPA بهدف إيصال رسالة قوية إلى الكونغرس والجمهور، حيث تقدمت ويكيبيديا الإنجليزية الصفوف بإجراء جريء تمثّل في حجب محتواها بالكامل لمدة 24 ساعة، فأن عند زيارة أي صفحة في ويكيبيديا الإنجليزية ذلك اليوم كان يظهر للزوار شاشة سوداء تحمل رسالة باللون الأبيض تقول: «تخيل عالمًا بدون معرفة حرة… الكونغرس الأمريكي ينظُر في تشريع يمكن أن يدمّر بشدة الإنترنت المجاني والمفتوح، ونحن نحجب موقع ويكيبيديا اليوم ولمدة 24 ساعة احتجاجاً من أجل نشر الوعي»
هذه الرسالة عكست جوهر مخاوف المحتجين وأثارت إنتباه ملايين المستخدمين حول العالم.


إلى جانب ويكيبيديا، قام موقع ريديت (Reddit) الشهير بتبادل الأخبار وروابط الإنترنت بإطفاء خدماته طوال ذلك اليوم تضامناً مع الحملة، وشاركت آلاف المواقع الصغيرة بحجب محتواها أو تغطية أجزاء منه بلافتات سوداء كُتب عليها شعارات مناهضة، حتى بعض الشركات التقنية الكبرى التي لم تغلق مواقعها وجدت طرق مبتكرة للاحتجاج، حيث وضعت كوكل على صفحتها الرئيسية شريطاً أسود يغطي شعارها الشهير، أسفل شعار غوغل المُعتم ظهرت عبارة: “ أخبروا الكونغرس: من فضلكم لا تفرضوا رقابة على الويب! ” مع رابط يقود إلى صفحة عريضة احتجاجية ليوقعها الزوار، فقد نجحت كوكل عبر هذه الحملة في جمع أكثر من 7 مليون توقيع على عريضة ضد القانون خلال فترة وجيزة .

وشملت قائمة المواقع المحتجة أيضاً منتدى التواصل الاجتماعي تمبلر (Tumblr) وشركة موزيلا (المطورة لمتصفح فايرفوكس) التي حوّلت صفحتها إلى رسالة بعنوان ” إحمي الإنترنت “، وموسوعة الإنترنت أرشيف (Archive.org)، ومواقع إخبارية ومدونات تقنية معروفة، حيث قدّر موقع بوليتكو الإخباري عدد المواقع التي شاركت في حجب محتواها جزئياً أو كلياً في صباح يوم 18 يناير بحوالي 7000 موقع ، بينما قدّرت منظمة Fight for the Future (وهي منسق رئيسي للاحتجاجات) أن أكثر من 115 ألف موقع شارك في حركة الإضراب الرقمي بشكل ما حول العالم، وإلى جانب الاحتجاجات عبر الإنترنت، نُظّمت أيضاً مسيرات واعتصامات ميدانية متزامنة في عدة مدن أمريكية تضامناً مع القضية، أبرزها مسيرة أمام مقر مجلس الشيوخ في نيويورك
وهكذا سجّل يوم 18 يناير 2012 نفسه كتاريخ مفصلي أُطلق عليه ” يوم ظلام الإنترنت ” حيث توحّد مختلف أطياف مجتمع التقنية والمستخدمين العاديين في صرخة جماعية ضد الرقابة على الإنترنت وللدفاع عن الحقوق الرقميّة للمجتمع.
ردود الفعل والنتائج المباشرة (يناير 2012)
أثار نجاح الإضراب الإلكتروني صدى سياسياً بشكل فوري في واشنطن، تحت وطأة سيل الاتصالات ورسائل البريد الإلكتروني والعرائض التي انهالت من ملايين المواطنين الغاضبين ، بدأ النواب والسيناتورات بسحب تأييدهم لمشروعي SOPA وPIPA بشكل متسارع، خلال يوم 18 يناير وما تلاه مباشرة، أعلن عدد من أعضاء الكونغرس من الحزبين تراجعهم عن دعم التشريعات المقترحة، فقد كتب السيناتور الجمهوري ماركو روبيو (أحد رُعاةPIPA) على صفحته في فيسبوك أنه استمع لمخاوف المواطنين بشأن تأثير القانون على حرية الإنترنت، وصرّح السيناتور أورين هاتش بأن مشروع القانون “ليس جاهزًا في هذا الوقت” وسحب دعمه له، كما انضم إلى المعارضة أيضاً سناتورات آخرون عبّروا عن أن الأهداف مشروعة لكن الوسيلة خطيرة وقد تضر بالإبتكار والحريات، وفي مجلس النواب، تراجع على الأقل خمسة نواب كانوا مؤيدين للمشروع حيث أعلنوا أنهم لم يعودوا يدعمون SOPA، هذا الزخم السياسي دلَّ على انهيار واضح في التأييد داخل الكونغرس للمشروعين إثر الضغط الشعبي المتزايد.
من جهة أخرى، ردّت الجهات الداعمة للقانونين بانتقادات حادة لحركة الاحتجاج، حيث اتهمت رابطة صناعة التسجيلات RIAA منصات الإنترنت الكبرى بـ ” تضليل المستخدمين وتسليحهم بالمعلومات الخاطئة “، في إشارة إلى الرسائل التحذيرية التي بثتها مواقع مثل ويكيبيديا وغوغلد كما اعتبرت غرفة التجارة الأمريكية أن الاعتراضات على التشريع مبالغ فيها وأن القانون لن يؤدي فعلياً إلى الرقابة المزعومة ، على الصعيد نفسه، شهد يوم 19 يناير تصعيداً بسياق آخر تمثل في هجمات إلكترونية شنّتها مجموعة أنونيموس (Anonymous) الشهيرة ضد مواقع جهات مؤيدة لـSOPA مثل موقع RIAA وموقع شبكة CBS التلفزيونية، ما أدى لتوقفها عن العمل لفترات وجيزة، حيث اعلنت أنونيموس مسؤوليتها عن تلك الهجمات من نوع الحرمان من الخدمة (DDoS)، معتبرةً إياها رداً على محاولات الرقابة وعلى قيام وزارة العدل الأمريكية بإغلاق موقع مشاركة الملفات MegaUpload في نفس اليوم، ورغم أن هذا التحرك لم يكن جزءاً من الاحتجاج السلمي الرسمي، إلا أنه عكس مدى الغضب الكامن في أوساط أخرى من مجتمع الإنترنت تجاه مشاريع الرقابة.
وجاءت الضربة القاضية لمشروعي SOPA/PIPA في 20 يناير 2012، حين أعلن السيناتور هاري ريد زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تأجيل التصويت الذي كان مقررًا في 24 يناير على مشروع PIPA إلى ” أجل غير مسمى ” ، وبالتوازي، صرّح النائب لامار سميث رئيس اللجنة القضائية بمجلس النواب ومقدم مشروع SOPA أنه سيسحب مشروع القانون من التداول، مصرحاً في بيانه: ” نحن لا نزال ملتزمين بإيجاد حل لمشكلة القرصنة على الإنترنت يحمي الملكية الفكرية والابتكار الأمريك، لكن سنؤجل النظر في التشريع حتى يتم التوصل إلى توافق أوسع حول حل جديد”
وهكذا تم إيقاف مشروعي القانون رسمياً وتجميدهما في اللجان دون طرحهما للتصويت، رضوخاً للعاصفة الشعبية الرقميّة والاعتراضات الواسعة. حتى أن البيت الأبيض كان قد لمح أنه سيعترض على التشريع إن وصل إليه، حيث جاء في بيان للإدارة: ” لن ندعم قانوناً يقلل من حرية التعبير… أو يقوض الطبيعة المبتكرة للإنترنت”
مما يعني ضمنياً التلويح باستخدام الفيتو الرئاسي إن لزم الأمر، وبحلول نهاية يناير 2012، كان يُنظر إلى SOPA وPIPA على أنهما قد تراجعا أمام إرادة الملايين من الافراد الذين يقدرون قيمّة حرياتهم الرقمية وحقهم في الوصول للأنترنت الحر ، في انتصار غير مسبوق لمناصري حرية الإنترنت.
ماذا نستنتج؟
يمكننا القول أن الاصطفاف الشعبي ضد SOPA/PIPA وحّد بين طيف واسع من أصحاب المصلحة: بدءاً من المستخدم العادي القلق على حريته في مشاركة رابط أو مقطع، مروراً بالمبدعين الذين ينشرون أعمالهم ويخشون التقييد، وأصحاب الشركات الناشئة الذين يخافون أن يقتل القانون منصاتهم في المهد، وصولاً إلى عمالقة الإنترنت الذين رأوا فيه تهديد لبُنية شبكة الأنترنت نفسها
هذا التحالف غير التقليدي بين العامة والشركات الكبرى والمنظمات الرقميّة كان عاملًا حاسمًا في نجاح الحملة، فقد أدرك الجميع أن حرية الإنترنت مبدأ مشترك ينبغي الدفاع عنه، وأن التنازل عنه بهذه السهولة لصالح فئة محدودة (شركات الترفيه) واللوپيات السياسيّة الداعمة لهم، سابقة خطيرة.
النتائج السياسية والتشريعية المترتبة على الاحتجاجات
شكلّت احتجاجات SOPA/PIPA لحظة مفصلية في السياسة الأمريكية تجاه تنظيم الإنترنت، حيث أدى الضغط الشعبي الهائل إلى إجهاض مشروعي القانون تماماً، أبرزت هذه الأحداث قوة الرأي العام عندما يتضافر مع اللاعبين التقنيين في تغيير المواقف السياسية، فخلال أيام معدودة، انتقلت مشاريع القوانين من مرحلة ما قبل الإقرار شبه المؤكد (خاصة PIPA الذي كان يتمتع بدعم أغلبية مريحة في مجلس الشيوخ ) إلى مرحلة الانهيار وسحب التأييد الجماعي، وقد أدرك كثير من المشرعين أنهم استخفّوا بتأثير الإنترنت كقوة ضغط سياسية، تقول احدى التعليقات الصحفية آنذاك إن يوم الإضراب الإلكتروني ” هزّ واشنطن ” حيث انقلب عشرات النواب في ظرف 24 ساعة عن مواقفهم خوفاً من السخط الشعبي، ونتيجةً لذلك أعاد الكونغرس حساباته حيال التشريعات المتعلقة بالإنترنت، فقد بات واضحاً أنه لا يمكن تمرير قوانين كبرى تمس المستخدمين والتقنيين دون حوار شامل وأخذ مخاوف الأطراف المختلفة بنظر الإعتبار.
بالإجمال، حققت الاحتجاجات هدفها المباشر بهزيمة SOPA/PIPA، وتركت أثراً طويل الأمد يتمثل في ترسيخ مبدأ التوازن عند التشريع للإنترنت وعدم الإفراط بالحريات الرقميّة، حيث فشلت محاولات مماثلة في اوروبا كانت تهدف لتحجيم حرية الأفراد بالوصول للأنترنت، فلا المشرعون ولا الشركات الكبرى باتوا قادرين على تجاهل صوت مجتمع الإنترنت. لقد صنعت تلك الأحداث وعياً سياسياً لدى الملايين من مستخدمي الإنترنت بأن بمقدورهم حماية فضائهم الرقمي من خلال الضغط المدني المنظّم، مما كان باباً لتأسيس شبكات ومنظمات وتجمعات مختصة بالحقوق الرقميّة، وهذا في حد ذاته مكسب تشريعي مدنيّ يتجاوز حدود تلك القوانين بعينها، حيث أكدت تلك الأحداث على أهمية مفهوم “الحقوق الرقمية” كجزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان الحديثة، مما جعل ملايين الأشخاص يدركون أن حرية الوصول للمعلومة والتعبير عبر الإنترنت هي حق لهم يجب الدفاع عنه وصونّه كحقهم في حرية الصحافة أو التجمع.
دروس مستفادة للشرق الأوسط والعراق
رغم أن احتجاجات SOPA/PIPA جرت في الولايات المتحدة، إلا أن صداها ودروسها تتجاوز الحدود ويمكن أن تُستلهم في سياق الشرق الأوسط والعراق.
فالحقوق الرقمية وحرية الإنترنت ليست شأناً غربياً فقط، ولا الحريات – بكل اشكالها – من الممكن تجزئتها وفق معايير جغرافية أو إجتماعية، إنها قضايا تمس المستخدمين في كل مكان، بما في ذلك المنطقة العربية حيث يزداد الاعتماد على الإنترنت ومنصات التواصل يوماً بعد يوم، وكان لها دور مهم في تفجير إحتجاجات شعبيّة واسعة في العقد الأخير.
لقد أظهرت تجربة 2012 أن الدفاع عن حرية التعبير والوصول إلى المعلومات على الإنترنت ممكن عندما تتكاتف جهود المجتمع المدني والمستخدمين وحتى القطاع الخاص، وفي منطقتنا التي تواجه تحديات عديدة في مجال حرية الإعلام والتعبير، يمكن تكييف بعض دروس هذه التجربة للدفاع عن الفضاء الرقمي.
بدايةً، تُعاني دول الشرق الأوسط من نزعة لدى بعض الحكومات لتمرير قوانين تحت مسميات فضفاضة كـ”مكافحة الجرائم الإلكترونية” او ” جرائم المعلوماتية ” لكنها تحمل بنوداً تقيد حرية التعبير بشكل كبير، على سبيل المثال، شهدنا في الأردن عام 2023 إقرار قانون للجرائم الإلكترونية أثار جدلاً واسع بسبب مواده التي تفرض عقوبات شديدة على التعبير عبر الإنترنت، وفي العراق تحديداً طُرح مشروع قانون جرائم المعلوماتية عدة مرات خلال العقد الماضي، هذا المشروع تضمن مواد تفرض السجن لفترات طويلة وغرامات باهظة على أفعال قد تصنّف كجرائم إلكترونية، لكنه انتُقد بشدة لأن تعريفاته مطاطة ويمكن استخدامها لخنق حرية النقد والمعارضة السلمية، أثار هذا المشروع عند طرحه عام 2020 ثم في 2022 اعتراضات من منظمات حقوقية محلية ودولية اعتبرت أنه يقيّد حق حرية التعبير المكفول دستورياً ويهدد الصحفيين والمدونين بالعقاب لمجرد ممارستهم دورهم الرقابي، الى الآن لم يُقر القانون العراقي بشكل نهائي نتيجة تلك الانتقادات والانقسامات حوله، وهذا مثال على أن الضغط المجتمعي قادر على تأجيل وربما تعديل التشريعات المعيبة.
الدروس المُلهمّة التي نتعلمها من تجربة إحتجاجات SOPA/PIPA
الدرس الأول يتمثل بقوة الوحدة ومكاسب التنظيم: هنا تبرز أول درس مستفاد من SOPA حيث قوة الوحدة والتنظيم، فإذا استطاع المواطنون والنشطاء والإعلام في بلد مثل العراق التنسيق لفضح بنود قانونية قمعية وإيصال صوتهم للبرلمان، فبإمكانهم إحداث فرق، ربما يختلف السياق عن أمريكا حيث توجد شركات تقنية عملاقة تدعم التحرك، ولكن يمكن خلق تحالفات محلية بين الصحفيين والقانونيين والمدونين ومؤسسات المجتمع المدني وحتى بعض القطاع الخاص المستنير (كشركات الاتصالات أو التكنولوجيا المحلية) للدفاع عن مصلحة عامة مشتركة هي ضمان حرية الإنترنت، تجربة SOPA علمتنا أن تكاتف فئات متنوعة وتنظيم جهدوها (مستخدمون، مجتمع مدني، شركات) يضفي شرعية وقوة لأي حملة، وهذا ينطبق في أي مكان.
الدرس الثاني يتعلق بأهمية رفع الوعي المجتمعي: أحد أسباب نجاح حملة SOPA كان قدرتها على تبسيط القضية وحشد دعم شعبي واسع، من خلال خطوات مثل تعتيم ويكيبيديا ووضع رسائل مباشرة فهمها الجمهور العام، اما في الشرق الأوسط كثيراً ما تمر القوانين المقيدة دون ضجة لأن عامة الناس قد لا يدركون خطورتها أو يعتبرونها شأناً نخبوياً، لذلك على ناشطي الحقوق الرقمية ابتكار وسائل إبداعية لإيصال رسالتهم للجمهور وجعلهم يشعرون بأن حقهم الشخصي في الخيال والتعبير مهدد. ربما لا نملك ويكيبيديا عربية بنفس التأثير (رغم أن ويكيبيديا العربية شاركت عام 2012 بوضع لافتة “حرية الإنترنت في خطر” تضامناً مع الاحتجاج )، لكن لدينا وسائل التواصل الاجتماعي التي تعد منصة قوية في منطقتنا التي يمكننا استثمارها في ذلك.
الدرس الثالث هو الاستفادة من الزخم والدعم العالمي: فأن الإنترنت بطبيعته عابر للحدود، والقضايا الرقمية غالباً ما تتشابه بين الدول، نجاح الناشطين الأمريكيين ألهَّم الأوروبيين، وبالمثل يمكن لناشطين الشرق الأوسط طلب العون المعنوي والاستشاري من منظمات وشبكات دولية، توجد اليوم منظمات حقوق رقمية عربية وإقليمية (مثل مؤسستنا INSM العراقيّة أو منظمة SMEX اللبنانية أو Access Now وغيرها) قد تتواصل مع نظيراتها العالمية وتوفر موارد قانونية وحملات تضامن، لأن التضامن الدولي مهم خصوصاً عندما تكون البيئة المحلية خانقة؛ فمثلاً خلال محاولة تمرير قانون جرائم المعلوماتية بالعراق، أصدرت منظمات كهيومن رايتس ووتش والعفو الدولية بيانات تنتقد مشروع القانون، مما زاد الضغط على الجهات الرسمية، هذا يشبه إلى حد ما الدعم الذي تلقته حملة SOPA من شخصيات عالمية وشركات أجنبية استشعرت خطر سابقة رقابة الإنترنت في أمريكا.
الدرس الرابع يتعلق بخصوصية وضع دول المنطقة: حين تعمل أدوات الديمقراطية الأمريكية كصمام أمان أتاح الاستجابة لضغط الشارع، قد لا تتوفر هذه الآليات بنفس القوة في دول أخرى، لذلك قد يحتاج ناشطين الشرق الأوسط إلى تكتيكات مختلفة وأكثر إبداعاً، فبدلاً من انتظار النواب ليسحبوا القانون، يمكن مثلاً الدفع نحو تعديلات جوهرية في مسودة القانون عبر نقاشات مغلقة مع صناع القرار أو تفعيل دور اللجان القانونية في البرلمان وكسب قناعة بعض النواب، أو اقتراح بدائل قانونية (تمامًا كما طُرح مشروع OPEN الذي يحمي حقوق الناشرين بدون المس بحرية الأنترنت بديلاً عن SOPA)، كما إن المواجهة القضائية هي خيار في بعض البلدان؛ كرفع دعاوى دستورية ضد قوانين قمعية بعد إقرارها إذا كان الدستور يصون الحريات العامة للأفراد، هذه كلها أدوات تكتيكية تُكمّل الضغط الشعبي ولا تناقضه.
وأخيراً، ربما أهم ما تعلّمناه هو أهمية الاستمرار والمراكمة، فإن تأسيس ثقافة دفاع عن الحقوق الرقمية لن يحدث بين ليلّةٍ وضحاها، إن تجربة SOPA نفسها كانت ثمرة عمل تراكمي بدأ قبلها بسنوات عبر مدونات تقنية ومنظمات كانت تدُق ناقوس الخطر وتبني شبكات التواصل، وبمجرد ما اصبحت اللحظة مناسبة، كانت تلك الشبكات جاهزة للتحرك السريع والدفاع عن الانترنت، في سيناريو الشرق الأوسط، بدأنا نرى ملامح وعي رقميّ وحركة ناشئة للدفاع عن الحقوق الإلكترونية، مثل مبادرات ضد حجب مواقع إخبارية أو ضد رقابة تطبيقات الاتصال او قطع الانترنت، هذه الجهود بحاجة إلى الدعم والتطوير حتى تنضج البنية التحتية المجتمعية اللازمة لخوض معركة كبيرة شبيهة بـSOPA إذا ما ظهرت الحاجة لها. ولعل العراق مستقبلاً يكون ساحة لاختبار قوة هذا التراكم؛ فإن مع ازدياد أعداد مستخدمي الإنترنت وفعاليَة نشاط العراقيين في منصات التواصل الاجتماعي وانتشار الثقافة الرقميّة، سيصبح الصوت الشعبي الرقمي أكثر وزناً في القضايا الوطنيّة.
في الختام، أثبتت احتجاجات SOPA وPIPA أن الدفاع عن الحريات الرقمية ممكن ومؤثر وليس ترفاً، كانت انتفاضة رقمية سلمية ولكن صاخبة، ذكّرت العالم بأن الإنترنت ملك لنا جميعاً وليس لأصحاب السلطة فقط، هذا الإرث يُلهم الناشطين حول العالم وفي الشرق الأوسط خصوصاً، للمطالبة بحماية حقوقهم الرقمية وتكييف دروس تلك التجربة ضمن واقعهم، قد تختلف الأدوات والظروف، لكن المبدأ واحد: عندما يتعلق الأمر بحرية الإنترنت وحقوقنا كمستخدمين، فإن الصمت ليس خياراً، وكما وقف مجتمع الإنترنت عالمياً في وجه SOPA دفاعاً عن حق المعرفة والتواصل الحر بالأنترنت ، يُمكن لمجتمعاتنا أن تقف في وجه أي محاولة لعزلنا وراء جدران رقمية أو إسكات أصواتنا عبر الفضاء الرقمي، فأن الوعي الرقمي هو سلاحنا، والتضامن هو درعنا – تلك هي رسالة SOPA/PIPA للعالم أجمع.
