في البرازيل، تتصاعد واحدة من أهم الصراعات الرقمية في العالم اليوم، فبينما يسيطر عمالقة التكنولوجيا مثل كوكل وميتا على ما يراه المستخدمون ويشاركوه يومياً، قررت البرازيل أن الوقت قد حان لوضع قواعد جديدة تكسر هذه الهيمنة.
التشريع الجديد الذي يناقشه البرلمان البرازيلي لا يقتصر على وضع ضوابط شكلية، بل يذهب إلى عمق المشكلة: إجبار المنصات على كشف خوارزمياتها، أي الطريقة التي تُقرر من خلالها ما يظهر على شاشاتنا وما يُخفى ولا يظهر.
إلى جانب ذلك، يُلزم القانون الشركات الرقمية باتخاذ خطوات جدية لمكافحة الأخبار المضللة وخطاب الكراهية، مع فرض غرامات صارمة على كل منصة تتجاهل مسؤولياتها في مكافحتها.
لكن هذه الخطوة لم تمر بهدوء، فقد واجهت الحكومة البرازيلية ضغوطاً سياسية واقتصادية من الولايات المتحدة وعدد من الحلفاء الذين حذروا من أن مثل هذه القوانين ستؤثر على ” حرية الابتكار “، غير أن منظمات المجتمع المدني في البرازيل وعلى رأسها تحالف حقوق الشبكة (CDR) ردّت في موقفها بأن الحجة الحقيقية ليست حماية الابتكار، بل حماية أرباح الشركات العملاقة التي تبنيّ قوتها على حساب حقوق المستخدمين.
تسلسل الأحداث
في الأشهر الأخيرة، شهدت البرازيل تطورات حاسمة في صراعها مع شركات التكنولوجيا الكبرى, البداية كانت مع نقاشات برلمانية طويلة حول مشروع ” قانون الأخبار الزائفة ” (PL 2630) الذي يهدف إلى تعزيز الشفافية والمساءلة على المنصات الرقمية, ورغم تبنيه في مجلس الشيوخ منذ عام 2020، بقي معلقاً في مجلس النواب دون حسم نهائي.
لكن الانعطافة الكبرى جاءت في يونيو 2025، حين أصدرت المحكمة العليا البرازيلية سلسلة قرارات قلبت موازين العلاقة بين المنصات الرقمية والمستخدمين, حيث أيّد ستة من أصل أحد عشر قاضياً في 11 يوليو تحميل المنصات مسؤولية مباشرة عن المحتوى الضار المنتشر على صفحاتها، وهو تحول جذري بعد سنوات من الحصانة التي منحتها المادة 19 من ” القانون المدني للإنترنت ”
كما أن بعد أسابيع قليلة في 27–30 يونيو 2025، صدرت أحكام نهائية بأغلبية واسعة (8 مقابل 3) تقضي بإنهاء هذه الحصانة بشكل تدريجي، وإلزام المنصات بإزالة المحتوى غير القانوني أو الضار فور معرفتها به، حتى دون وجود أمر قضائي مسبق.
هذه القرارات لم تقف عند الجانب القضائي فحسب، بل فتحت الباب أمام مشاريع قوانين جديدة أطلقتها الحكومة في مارس ومايو2025, الأول يركز على مراقبة المحتوى وتنظيم الخوارزميات وآليات التوصية، والثاني يتناول الجوانب الاقتصادية مثل تصنيف المنصات ” ذات الأهمية النظامية ” ووضعها تحت إشراف هيئات تنظيمية لضمان المنافسة العادلة، على غرار ماهو معمول به في الاتحاد الأوروبي عبر قانوني الخدمات الرقمية (DSA) والاسواق الرقمية (DMA).
بهذه الخطوات، وضعت البرازيل نفسها في مقدمة الدول التي تسعى إلى كسر الهيمنة الرقمية وإعادة التوازن بين حقوق المستخدمين وقوة المنصات, القرارات القضائية الأخيرة اعتبرتها منظمات مثل تحالف حقوق الشبكة (CRD) انتصاراً لحرية التعبير والخصوصية، بالرغم من تحذير الشركات الكبرى من أنها قد تؤثر سلباً على الابتكار.
يتزامن ذلك مع تحذير منظمة العفو الدولية في تقريرها الأخير من أن هيمنة خمس شركات كبرى ( كوكل، ميتا، آبل، مايكروسوفت، وأمازون) جعلت حياتنا الرقمية رهينةً بقرارات تجارية تحتكر المعلومات وتوجّه الرأي العام
التقرير أشار بوضوح إلى أن هذه الشركات لا تشكل فقط قوة اقتصادية، بل تهديداً مباشرًا لحقوق الإنسان مثل الخصوصية وحرية التعبير، اضافة الى عدم التمييز والحق في الوصول العادل للمعلومة, وفي الوقت الذي تتردد فيه الكثير من الحكومات أمام نفوذ هذه المنصات، قررت البرازيل اتخاذ خطوات جريئة لكسر هذه الحلقة.
القضية في جوهرها ليست اقتصادية فقط، بل حقوقية بامتياز، حيث يرتبط الأمر مباشرةً بحرية التعبير والخصوصية وحق المواطنين في فضاء رقمي عادل وشفاف.
نجاح البرازيل في تمرير هذا القانون سيجعلها نموذجاً للدول التي تبحث عن استقلالية رقمية، وقد يمهد الطريق لتحول عالمي شبيه بما حدث مع اللائحة الأوروبية لحماية البيانات (GDPR).
اليوم، تقف البرازيل في مواجهة غير متكافئة مع عمالقة التكنولوجيا، لكنها قد تكون بداية لتغيير موازين القوة في العالم الرقمي، وفتح الباب أمام فضاءات أكثر عدلاً وإنصافاً للمستخدمين في كل مكان.
