في ظل الاعتماد المتزايد على منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، أكس، إنستغرام، ويوتيوب، أصبحت الخوارزميات الرقمية هي القوة الخفية التي تشكّل الخطاب السياسي. ما يُعرف بـ”الرقابة الناعمة” (algorithmic censorship) لا يتجلّى في الحذف المباشر، بل في تقليص ظهور المحتوى السياسي أو التحليلي عبر خوارزميات الترتيب والتوصية، دون أي تدخل بشري واضح، مما يقلّص فرصة الوصول إلى الجمهور بصورة فعّالة.
تعيد الخوارزميات إنتاج ما يُعرف بـ”الفقاعات الترشيحية” (filter bubbles) و”غرف الصدى” (echo chambers)، حيث تعرض للمستخدم محتوى يتوافق فقط مع توجهاته السابقة، مما يقلّص فرص التعرّض لآراء مغايرة ويعزّز الانقسام الفكري. دراسة حديثة في Applied Network Science تعزز هذه الرؤية من خلال نمذجة اجتماعية مكثفة تؤكد أن هذه الآليات تُسهم في تعطيل النقاش العام السياسي.
ليس فقط المحتوى الذي يُعرض، بل المحتوى الذي يُروّج له يمثل تحديًا. فقد وجدت دراسات في PNAS أن المنشورات التي تثير مشاعر مثل الغضب أو الحزن تصل إلى انتشار رقمي أسرع من المحتوى التحليلي الهادئ، وهو ما يهمّش منطق البحث والمعلومة الجدية, كما وجدت دراسة أخرى أن هذه الظاهرة تتكاثر ضمن تفسير انتشار الخطابات السياسية المعنونة بالعاطفة.
تحليل شامل لـ أكس بيّن أن خوارزميات التوصية تعزز المحتوى السياسي اليميني أكثر من اليساري في معظم الدول المدروسة، اعتمادًا على تجربة تحكم عشوائي ضمّت مليوني حساب، ما يدل على وجود تحيز خوارزمي في التوصية السياسية.
هناك اهتمام متزايد بحقل التحيّز الخوارزمي (algorithmic bias)، حيث تُصنّف أو تُحذف تلقائيًا المحتويات المكتوبة باللهجات المحلية العربية مثل اللهجة العراقية أو الشامية، نتيجة افتقار الخوارزمية لفهم السياق الثقافي، ما يحد من قدرة هذه المحتويات على الوصول رغم كفاءتها المعلوماتية, ففي حالات كثيرة، لا يُحظر المحتوى السياسي بشكل صريح، بل يُقصى من النظام الخوارزمي نفسه. يظهر للعيان، لكنه لا يُوصى به، ولا يُنشر تلقائيًا ضمن تغذية المستخدمين. دراسة أجراها باحثون عن الرقابة الرقمية تجاه النشطاء الفلسطينيين في مواقع التواصل، أظهرت أن الكثير من المحتويات تم إنزالها من التوصيات دون تفسير أو إشعار، مما خلق حالة من “الصمت الخوارزمي” حتى مع بقاء المنشورات قائمة ظاهريًا.
في السياق العربي والعراقي، كشفت دراسات وتقارير من مؤسسات حقوقية أن المحتوى المتعلق بالقضايا الفلسطينية أو المحتوى المدني في الوطن العربي قد تُمارس ضده ممارسات مشابهة من التهميش الرقمي أو ما يُعرف بالـshadow-banning، حتى عندما لا ينتهك سياسات المنصات. فعلى سبيل المثال، وثّقت منظمة Access Now وشركاؤها أكثر من 1,049 حالة حذف أو تقييد لمنشورات داعمة للقضية الفلسطينية دون مبرر واضح، وهو مؤشر على تنقية خوارزمية تستهدف مضمونًا سياسيًا دون التدخل البشري. كما أظهرت ورقة بحثية تحليلية بعنوان Who Should Set the Standards? أن المستخدمين العرب وجدوا فجوة شاسعة بين فهمهم لمعايير مجتمع فيسبوك وبين كيفية تطبيق هذه المعايير فعليًا، حيث تم حذف أو تقييد 448 منشوراً باللغة العربية خلال النزاع الفلسطيني دون مبرر واضح حسب 10 مقيّمين محايدين تم تعيينهم لهذه المهمة, مما يعكس تجاهلاً لخوارزمي يحجب المحتوى بدون شفافية.
يبقى من دون شك أن المستخدمين لا يمتلكون حقًا في فهم آلية عمل الخوارزميات أو سبب تفضيل أو تجاهل منشور ما. وقد طرحت أوراق قانونية مفهوم “حق المعرفة الرقمي”, إذ يجب أن يكون للمستخدم القدرة على معرفة كيف ولماذا تتم التوصية أو إخفاء المنشورات كحق أساسي يتطلب قانونًا واضحًا.
وأخيرًا، فإن الصراع بين المصلحة التجارية للمنصات (كالربح وزمن الاستخدام والتفاعل) وبين الصالح العام وحرية الفكر يتجسد داخل “الصندوق الخوارزمي الأسود”. فقد أظهرت تقارير إعلامية أن تغييرات إدارية في فرق البحث بأكبر المنصات قد قادت لإسكات محتوى حقوقي أو تحليلي، استجابة لضغوط داخلية بعد عمليات استحواذ أو تغييرات استراتيجية.
تُشير المعطيات المطروحة في هذا التقرير إلى أن الرقابة الناعمة المُمَارَسة عبر الخوارزميات ليست مجرد نتيجة تقنية محايدة، بل تمثّل تحولًا جوهريًا في بنية السيطرة على تدفق المعلومات والمعرفة في المجال الرقمي. إن قدرة المنصات على توجيه الاهتمام، وتقليص فرص الظهور، دون اللجوء إلى الحذف المباشر أو القرارات الرقابية العلنية، يضعها في موقع سلطة يتجاوز دور الوسيط إلى دور المقرر لما يُرى وما يُنسى. في هذا السياق، يغدو النقاش السياسي الجاد، والتحليل النقدي، أقل قابلية للوصول، لا بسبب ضعف في محتواه، بل بسبب تضارب بنيوي بين منطق المنصة ومنطق المعرفة العامة. ومن هنا، فإن التعامل مع الخوارزميات بوصفها أدوات تقنية خالصة يُعد تجاهلًا للأثر السياسي العميق الذي تُحدثه في إعادة تشكيل المجال العام، وهو ما يستدعي مساءلة منهجية لهذه الأدوات، وتطوير أطر قانونية وأخلاقية تضمن ألا تكون الحيادية المزعومة للخوارزميات غطاءً لإقصاء منظم وغير معلن للأصوات المستقلة والتحليلية.
