نقاش أممي واسع حول قرار أستراليا برفع سن استخدام السوشيال ميديا
أثار قرار أستراليا بفرض سن أدنى لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي (16 عاماً بدلاً من 13) نقاشاً واسعاً داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة والمؤسسات الحقوقية الرقمية والناشطين، ليضع للمرة الأولى قضية علاقة المراهقين بالمنصات الرقمية كقضية نقاشية جدلية جوهرية بين الحكومات والمجتمعات والمؤسسات الحقوقية.
خلفية القرار
الحكومة الأسترالية أعلنت عن خطوتها خلال سبتمبر 2025، مبررة ذلك بالرغبة في حماية المراهقين من المخاطر الرقمية، مثل الاستغلال الجنسي عبر الإنترنت، والتأثيرات التي تنعكس على الصحة النفسية، فضلاً عن خوارزميات الإدمان التي تستهدف الفئات الأصغر سناً.
القرار جاء ليضيف ثلاث سنوات إضافية من الحماية القانونية قبل أن يُسمح للمراهقين بالانخراط الكامل في فضاءات التواصل الاجتماعي.
النقاش داخل الجمعية العامة
مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، كان القرار الأسترالي حاضراً بقوة: رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي دافع عن القرار قائلاً: ” هذه ليست رقابة، بل حماية، فأن المراهقون بحاجة إلى وقت إضافي قبل مواجهة عالم يهيمن عليه الخوارزميات ومخاطر الاستغلال الرقمي”
كما إن رئيسة المفوضية الأوروبية رحبت بالخطوة، واعتبرتها تجربة رائدة يجب متابعتها، مؤكدة أن أوروبا ستتعلم من التجربة الأسترالية وربما تستلهم منها تشريعات مشابهة.
في المقابل، بعض الوفود أبدت قلقها من أن تكون مثل هذه القيود سابقة قد تُستخدم لاحقاً لتبرير تضييق حرية التعبير والوصول إلى المعلومات، محذرين من أن ذلك قد يفتح الباب لقيود غير مبررة على مختلف الفئات العمرية.
كما إن ممثلون عن عدة دول نامية أثاروا مخاوف بشأن اتساع الفجوة الرقمية، معتبرين أن حرمان المراهقين من منصات التواصل قد يحد من فرصهم التعليمية والمهارية في العالم الرقمي.
أبعاد حقوقية
النقاش أبرز التحدي القائم بين: حماية القاصرين من المخاطر الرقمية، مقابل ضمان الحقوق الرقمية الأساسية مثل حرية التعبير والمشاركة والوصول إلى المعلومات.
وبينما أيّد بعض الخبراء فكرة رفع سن الاستخدام لحماية الصحة النفسية، شدد آخرون على ضرورة إيجاد توازن تشريعي لا يقيد الحريات ولا يُضعف مشاركة الشباب في الفضاء الرقمي، حيث لم يخرج النقاش الأممي بتوافق نهائي، لكن ما بدا واضحاً أن تجربة أستراليا وضعت حجر الأساس لمرحلة جديدة من التفكير الدولي في قوانين حماية القاصرين رقمياً، وبينما ترى بعض الحكومات أن القرار خطوة ضرورية لمواجهة المخاطر المتزايدة، يعتبره آخرون تضييقاً يفتقد إلى ضمانات الحرية.
الخطوة الأسترالية تحولت إلى سابقة حقوقية قد تشكّل ملامح تشريعات مستقبلية، وتجعل من موضوع ” السن القانوني لاستخدام السوشيال ميديا ” محوراً رئيسياً في النقاش الدولي حول الحقوق الرقمية للأجيال القادمة.
حددت الحكومة الاسترالية تاريخ 10 ديسمبر 2025 موعداً رسمياً لدخول القانون حيّز التنفيذ، ليصبح بذلك أول تشريع من نوعه مُلزم للمنصّات الرقمية
بالتوازي مع القانون، أطلقت السلطات الأسترالية حملة وطنية توعوية تستهدف الأهالي والمراهقين لتعريفهم بمخاطر الاستخدام المبكر للسوشيال ميديا، وسبل الأمان الرقمي بالتعاون مع مكتب مفوضية الأمان الإلكتروني. وقد شددت المفوضية على ضرورة أن تكون آليات التحقق من العمر ” غير منتهكة للخصوصية ” ، في إشارة إلى رفض فكرة التحقق الإجباري الشامل باستخدام تقنيات التعرف على الوجه أو جمع البيانات البيومترية.
ورغم إشادة العديد من الدول والمنظمات بالخطوة الأسترالية، فإن الجدل ما زال قائماً حول كيفية التطبيق العملي، فقد حذّر خبراء تقنيون من سهولة التحايل على أنظمة التحقق عبر أدوات بسيطة مثل الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) أو استخدام هويات مزيفة، وهو ما قد يُضعف فعالية القرار ويخلق مساحات غير آمنة للمراهقين والأطفال على الإنترنت ويؤدي بنتائج عكسية.
كما بدأت دول أخرى مثل الدنمارك دراسة خطوات مماثلة، في مؤشر على أن المبادرة الأسترالية أصبحت نقطة تحول في النقاش العالمي حول السن القانوني للوجود الرقمي.
وبينما ترى الحكومة الأسترالية أن القانون خطوة وقائية ضرورية لحماية المراهقين من التأثيرات النفسية وخوارزميات الإدمان، تؤكد مؤسسات للحقوق الرقمية وناشطين محليين أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين الحماية والحرية الرقمية، وعدم تحويل إجراءات الحماية إلى أدوات رقابة أو عزل للشباب عن الفضاء العام.
