برمجية للاحتلال الإسرائيلي تخترق هواتفنا: غوغل كوكل وآبل تحذر مستخدميها
من جديد يعود ملف التجسّس الرقمي إلى الواجهة، لكن هذه المرة ليست كسابقاتها، فبعد أيام من التحقيقات والتسريبات والبلاغات الأمنية التي أرسلتها غوغل كوكل وآبل لمستخدمين حول العالم، اتّضح أن واحدة من أخطر شبكات التجسّس – شبكة Intellexa التجارية في العالم المتخصصة بتطوير وبيع برمجيات التجسّس المتقدمة للحكومات والأجهزة الأمنية حيث تُعرف في التقارير الدولية بأنها جزء من ما يُسمى ” نادي المرتزقة السيبرانيين ” (Cyber Mercenaries Club) – كانت حاضرة في ملامح الأزمة – وذلك بأعتراف غوغل كوكل الرسمي – حيث إن آلاف المستخدمين تلقّوا إشعارات مفاجئة على هواتفهم تقول إنهم ربما كانوا هدفاً لهجمات سيبرانية متقدمة، هذه الإشعارات لم تُرسلها الشركات اعتباطاً ولم تكن عابرة، بل ارسلتها بعد تأكدها من وجود مؤشرات حقيقية على نشاط مشبوه يرتبط ببرمجيات تجسّس قادرة على التسلل العميق إلى الهواتف وسرقة محتواها بالكامل.
ورغم أن هذه التحذيرات وصلت إلى مستخدمين في أكثر من مئة دولة، إلا أنّ معناها لا يشير إلى اختراق واسع أو استهداف عشوائي، بل إلى عمليات دقيقة عادة ما تطال صحفيين وناشطين ومحامين وشخصيات عامة، لكن اتساع رقعة الدول التي ظهرت فيها هذه التهديدات يعكس حجم المشكلة، ويكشف عن حقيقة خطيرة: التجسّس أصبح تجارة عابرة للحدود، تُدار بميزانيات ضخمة، وتُباع أدواته مثل أي منتج آخر بدون حساب التبعّات والمخاطر، وبدون حدود أخلاقية للإستخدام، فقط لأنها تحقق مكاسب لجهات تتقن صناعة الخطر.
تسريبات Intellexa الأخيرة – التي شاركت فيها منظمات حقوقية وصحفية كبرى مثل Amnesty وTechCrunch وThe Hacker News – كشفت أن المشكلة ليست مجرد أدوات تجسّس خطيرة مثل Predator، بل في طبيعة الشركة نفسها وآليات عملها، فبدل أن تبيع الأنظمة للحكومات وتنتهي مسؤوليتها عند هذا الحد، أظهرت الوثائق المسربة أن Intellexa احتفظت بإمكانية وصول فعلية إلى الأنظمة التي باعتها لعملائها، ما يعني أنها كانت قادرة – إن أرادت – على الدخول إلى حياة أشخاص لا تعرف أسماءهم، واستخراج رسائلهم وصورهم وتحركاتهم وملفاتهم السرية.
هذه ليست مجرد علاقة بيع وشراء، بل علاقة خفية بين المزوّد والضحية، علاقة طرفها الأول شركة تجارية وطرفها الثاني إنسان لم يطلب أبداً أن يكون هدفاً او اداة.
وفي سياق الهجمة التي دفعت غوغل كوكل وآبل لإرسال تحذيرات عالمية، اتضح أن بعض الاستهدافات بدأت برسائل واتساب تتضمن روابط غريبة، وبعضها تمّ عبر هجمات “صفر نقرة” لا تتطلب من المستخدم حتى الضغط على شيء مثل الاعلانات، هذا النوع من الهجمات يُستخدم عادة ضد شخصيات حساسة: صحفيين يغطون ملفات حساسة، محامين يعملون في قضايا حقوقية، ناشطين سياسيين، أو أفراد تعتبرهم جهات معينة “مصدر إزعاج”.
بحسب رويترز في تقريرها الذي تابعته ” انسم “، فإن التحذير الأخير لم يكن الأول من نوعه، فقد سبقه قبل أشهر تنبيه ضخم استهدف عشرات الصحفيين في إيطاليا وإسبانيا.
ورغم خطورة ما كُشف، يبقى المشهد العالمي متشابكاً: الولايات المتحدة فرضت عقوبات رسمية على Intellexa وكيانات مرتبطة بها، معتبرة أن نشاطها يشكّل تهديدًا للأمن القومي ولخصوصية الأفراد. الاتحاد الأوروبي ايضاً يتحرك، في مقابل منظمات حقوق الإنسان تطالب بوقف تجارة التجسّس، لكن الشركات لا تزال تعمل، وتطور تقنيات جديدة حتى وهي تحت العقوبات، وبين بطئ القانون وسرعة التكنولوجيا، يبقى الفرد هو الحلقة الأضعف.
ومع مرور التحقيقات من يد إلى أخرى، انكشف خيط آخر في القصة لا يمكن تجاهله: الجذور الإسرائيلية لشبكة Intellexa، رغم أن الشركة تعمل اليوم من أوروبا بعد معاقبتها مع الكيانات والافراد المرتبطين بها، وأن عملياتها اليوم تتوزع بين اليونان وقبرص وإيرلندا، لكن بدا واضحاً أن النواة التي وُلدت منها هذه المنظومة تعود إلى خبرة أمنية إسرائيلية خرج منها عدد من مؤسسيها ومهندسيها. فالعقل الذي صمّم أجزاء كبيرة من هذه التقنيات كان ضابطاً سابقاً في الاستخبارات الإسرائيلية حسب مصادر مختلفة، ومعه فريق يحمل خبرة طويلة في صناعة أدوات المراقبة، ومع تشديد القيود داخل إسرائيل بعد فضائح سابقة متعلقة ببرمجيات التجسس، انتقلت الشبكة بهدوء إلى أوروبا، لتعيد بناء نفسها بواجهة جديدة لكنها تحمل نفس البصمة القديمة التي رافقتها أينما ذهبت.
يكشف ذلك كيف تتحول خبرات استخباراتية إلى تجارة خاصة تُباع عبر الحدود، ولهذا تظهر إسرائيل دائماً كظل في خلفية القضية: ليست لاعباً رسمياً، لكنها جزء من الحكاية التي بدأت هناك قبل أن تهاجر إلى أوروبا وتتمدّد إلى بلدان لا تعرف حتى أن أسماء مواطنيها كانت تُختبر داخل مختبرات التجسس، وفي عالم تتقاطع فيه التكنولوجيا مع السياسة، وتتحول فيه الحروب من الاسلحة التقليدية الى استخدام الذكاء الاصطناعي في حرب الإبادة، يصبح هذا الامتداد أكثر خطورة، لأن ما يُباع كأداة أمنية يتحوّل بسهولة إلى سلاح يُستخدم لكسر الخصوصية، وتقييد الأصوات، والسيطرة على الناس لأجل تمرير سردية واحدة.
ورغم أن الهجوم الأخير يبدو عالمياً، إلا أن الرسالة الأساسية اكبر من ذلك: أن برمجيات التجسّس لا تسرق البيانات فقط، بل تفرض رقابة على السلوك، وتدفع الناس إلى الصمت، وتعزز فقدان للثقة بالمنصات، وشعور دائم بأن الهاتف – أكثر أدواتنا قرباً – لم يعد ملكاً لنا بالكامل، حيث تتحول الخصوصية من حق طبيعي إلى مساحة مهددة، في مقابل صناعة كاملة تُباع فيها أدوات اختراق متقدمة كما تُباع البرمجيات العادية، وهناك شركات قادرة على الوصول إلى ما هو أعمق من الحدود الجغرافية، وشبكة دولية من الزبائن، وضحايا يدفعون الثمن دون أن يعرفوا حتى أنهم كانوا هدفاً، وكل هذا يحدث في عالم تسبق فيه التكنولوجيا القوانين، وتتعثر فيه التشريعات خلف سباق الاستخبارات الرقمية.
وفي ظل هذا كله، يصبح الوعي خط الدفاع الأول، مثلما تؤكد ” انسم ” دائماً: التحديثات الدورية، الحذر من الروابط، المصادقة الثنائية، التعرف على إشعارات الأمان، وفهم أن الخطر موجود لكنه ليس قدراً محتوماً، فإن كل ختراق يبدأ بخيط صغير، وكل حماية تبدأ بمعرفة.
والأهم: أن هذه القضية ليست موضوعاً تقنياً فحسب، بل قصة إنسانية عن حق الفرد في أن يعيش دون مراقبة، وعن عالم تتداخل فيه الحدود بين الأمن والرقابة، بين التقنية والسلطة، وبين حماية الناس واستغلالهم، وبين استخدام التقنية لأجل الإنسان وبين وضعها بين يديّن إحتلال يقود حرب إبادة ضد الإنسان، وفي كل مرة تُكشف فيها شبكة تجسّس جديدة، تتأكد الحاجة إلى صوت حقوقي يذكّر بأن الخصوصية ليست رفاهية، وأن حماية الناس في الفضاء الرقمي مسؤولية دول ومنظمات ومجتمعات، وأن المعركة لم تعد معركة بيانات فقط… بل معركة على قيمة الإنسان نفسه.
