في أزقة سوق الصفافير في بغداد القديمة، نشاهد لافتة بسيطة تحمل فكرة غير مألوفة لنا: شبكة إنترنت مجانية مفتوحة.. موضوعة كصدقة جارية على روح شخص متوفى – أبو أمير رحمه الله –
في بلادنا، اعتاد العراقيون أن يوزّعوا الماء، الطعام أو كل ما فيه نفع على أرواح أحبائهم الراحلين، فهي عادة اجتماعية عميقة الجذور تعبّر عن الوفاء والذكرى للأحباب، لكن في هذه الحالة، اختار أحدهم أن يُقدّم شيئًا مختلفًا: الإنترنت!
تكشف هذه المبادرة تحوّلًا عميقًا في حياتنا، فالشبكة التي كانت يومًا ما وسيلة للترفيه أو التسلية، أصبحت اليوم جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية: وسيلة للتعلّم، والعمل، والتواصل مع العائلة، والوصول إلى الخِدْمَات، وحتى لإنجاز المعاملات الحكومية.
أن يختار أحدهم أن يجعله صدقة جارية، فهذا يعكس إدراكًا بسيطًا وعميقًا في آن واحد: أن هذه الخدمة أصبحت نافعة للناس مثل كثير من الأشياء التي اعتدنا أن نقدّمها خيرا للآخرين.
حين يصل الإنترنت إلى هذه الدرجة من الحضور في حياتنا، بحيث يصبح تقديمه للناس فعل خير أو صدقة، فهذا يشير إلى نقطة أساسية: الإنترنت لم يعد رَفَاهيَة.
الإنترنت يتحوّل تدريجيًا إلى خدمة أساسية، تشبه الماء والكهرباء في تأثيرها على حياة الناس، وكل خدمة أساسية ترتبط بشكل طبيعي بالحقوق: حق الوصول، وحق الأمان الرقمي، وحق الخصوصية، وحق الاستخدام دون تمييز أو إقصاء.
لهذا السبب نتحدث في أنسم عن الحقوق الرقمية، ليس بوصفها مفهومًا تقنيًا جافًا بعيدًا عن واقع الناس، أو بكونها ترفًا لا يستحق الاهتمام، بل لأنها تتعلق بحياة الناس اليومية: بالإنترنت الذي يتصلون به، وبالبيانات التي يشاركونها، وبالمساحات الرقمية التي يعيشون فيها جزءًا كبيرًا من يومهم، والأخبار التي تصلهم رقميًا وتجعلهم متصلين بالعالم.
في النهاية، صورة صغيرة من سوق قديم في بغداد، لكنها تروي لنا قصة كبيرة: كيف أصبح الإنترنت جزءًا من الثقافة، ومن حاجات المجتمع الأساسية.
ملاحظة مهمة: تشير هذه التدوينة إلى أن الإنترنت لم يعد مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبح حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان، مع ضرورة التنبيه إلى أن شبكات الإنترنت المفتوحة قد لا تكون آمنة، خاصة عند التعامل مع البيانات الحساسة.
