كيف يفاقم الصمت مخاطر العنف الرقمي ضد النساء العراقيات؟
محمد هيثم صالح
في العالم الرقمي، حيث يمكن للكلمات أن تتحوّل إلى رصاص سامّ وسلاح قاتل تتّجه نحو الجميع، وخصوصاً ضد النساء، ويشتد تأثيرها حينما توجّه ضد من لا يملك أدوات التعامل مع الفضاء الرقمي، أو تكون ثقافته الرقمية معدومة، لذلك تزداد المخاطر ويبرز العنف ضد النساء ليس كخطر تقني فحسب، بل يتحول إلى أزمة اجتماعية تتغذّى على ثقافة الصمت وعدم تبليغ الجهات المختصّة كالشرطة المجتمعية، والأمن الوطني، ومنظمات المجتمع المدني ومؤسسات تقنية آمنة مختصة بهذا المجال.
في العراق، يتصدّر تفكير المرأة المعنّفة شعور الخوف من التبليغ أو إعطاء علم للجهات المذكورة أعلاه، لأسباب عديدة منها العادات والتقاليد المفروضة عليها، والقوانين العرفية مثل “سمعة العائلة والعشيرة” وغيرها الكثير تحت مسمّى “الوصم المجتمعي” وتنميط دور المرأة اجتماعياً، فعندما تتعرّض النساء إلى واحدة من حالات العنف الرقمي، تختار العديد منهن الصمت تجاه الجاني، خوفاً من تفاقم الضرر، وبالتالي سيمنحه هذا السلوك مساحة لإكمال جريمته وصلاحية لثقة لارتكاب المزيد من الانتهاكات.
والعنف الرقمي، هو استخدام التكنولوجيا الرقمية كالإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لممارسة التنمر، والتهديد، والابتزاز، أو نشر صور ومعلومات شخصية دون موافقة وكل أنواع الإساءة. ويهدف هذا النوع من العنف إلى إسكات النساء وتخويفهن لأسباب مختلفة أبرزها عزلهن ومنعهن من الانخراط مع المجتمع، في امتدادٍ للعنف المستمر على أرض الواقع ضد النساء في العراق.
وبحسب دراسة مؤسسة “إنسم” للحقوق الرقمية، التي صدرت بعنوان “دور الشرطة المجتمعية في مكافحة العنف الرقمي ضد النساء” فتشكل الإناث غالبية ضحايا العنف الرقمي بنسبة 67%، حيث وقعت معظم هذه الحالات عبر منصات فيسبوك (33%)، ثم إنستغرام (28%)، وواتساب (22%). ويُعد الابتزاز والتهديد أكثر أشكال هذا العنف انتشاراً بنسبة 44%، يليهما التشهير ونشر المعلومات الخاصّة بنسبة 28%.
وتبين هذه الأرقام والإحصائيات مدى اتّساع الرقعة الحقيقية للعنف الرقمي في العراق وبالأخص ضد النساء، اللواتي عدةً ما يكونن المستهدفات من قبل مصادر الابتزاز والانتهاك خصوصاً في ظلّ غياب الوعي الرقمي والمجتمعي، وصعوبة وصول النساء إلى المعلومات، وضعف القوانين الرادعة وغياب الرقابة الحقيقية من قبل الجهات المعنية.
وتشير دراسة “إنسم” بعد تحليل إجابات المستجيبين للاستبيان، إلى أنَّ غالبية ضحايا العنف الرقمي (56%) يجهلون هوية الجاني، في حين برزت فجوة كبيرة بين الاستعداد النظري للتبليغ والواقع الفعلي؛ فرغم تأكيد 61% من المشاركين نيتهم اللجوء للشرطة المجتمعية، لم يقم بذلك سوى 17% فقط (امرأتان ورجل).
وتمثّلت حالات التبليغ الموثّقة في شابة جامعية تعرضت للابتزاز عبر واتساب وحُلت مشكلتها بفعالية بعد لجوئها للشرطة، وسيدة تعرّضت للتشهير عبر فيسبوك ولجأت للشرطة أيضاً لعدم إلمامها بآليات الإبلاغ الإلكتروني، علماً بأنَّ كلتا الضحيتين كانتا تعرفان الجاني.
ترى الناشطة المجتمعية، مريم الكرعاوي خلال حديثها لـ”إنسم”، أنَّ “العنف الرقمي المسلّط على النساء هو أحد أشكال العنف الخطيرة المسكوت عنها، والتي لها آثار وخيمة عليهن”. وتلفت إلى، أنَّ “الخصوصية فيه أنَّه في أغلب الأحيان لا تعرف الضحية هوية من يمارس عليها العنف، باعتباره معتدٍ يقف وراء شاشة أو هاتف جوال وتغيب عليها معرفة أنَّ هنالك آليات تقنية ولوجستية قادرة على كشفه ومحاسبته”.
وبيّنت الكرعاوي في تصريح سابق، أنَّ “هناك الكثير من الحالات التي تصل من نساء وفتيات تعرّضن للعنف لا يعرفن كيف يتصرفن، ولا يبلّغن عن ذلك بسبب الخوف الذي يخيّم عليهن من جانب العائلة فيما لو سمعوا بالأمر، كونهم سيعتبرونه “يمس سمعة العائلة والعشيرة” وغيرها. وتلفت الكرعاوي إلى أنَّها وخلال زيارتها للضحايا، تجد أنَّه تُراود أذهانهن حالات من التفكير بالانتحار أو الهروب من أهاليهن.
واستناداً على نتائج الدراسة، فإنَّ السبب في هذا السكوت والتردّد في التبليغ، لا يعود دائماً إلى ضعف القوانين أو صعوبة الوصول إلى الجهات المختصّة، بل يرتبط في كثير من الأحيان بالخوف من “الوصم المجتمعي” وهو نظرة سلبية أو حكم قاسٍ يطلقه المجتمع على شخص أو فئة من الناس بسبب سلوك معين أو موقف تعرضوا له، مما يؤدي إلى انتقاص مكانتهم أو إلقاء اللوم عليهم، حتى لو كانوا ضحايا.
ففي بعض البيئات الاجتماعية، قد تصبح الضحية إلى موضع تساؤل أو اتّهام بدلاً من أن تحظى بالدعم والحماية، وغالباً ما تطرح أسئلة تُحمّل الضحية مسؤولية ما تعرّضت له: “لماذا استخدمت هذه المنصّة؟ لماذا شاركت هذه الصورة؟ لماذا تواصلت مع هذا الشخص؟”. هذه الأسئلة وإن بدت عابرة للبعض، إلّا أنَّها تُسهم في خلق بيئة تدفع الضحية إلى الانكفاء والصمت بدلاً من طلب الحماية أو اللجوء إلى القانون.
يقول المراقب، قيس أسعد، خلال حديثه لـ”إنسم” إنَّ “أغلب النساء عندما يتعرّضن للعنف الرقمي يترددن أو يتخوفن من التبليغ خوفاً من ‘الفضيحة’ أو ليس لديهن وعي تجاه هذه القضية”. ويضيف أسعد، أنَّه “ليست هناك دراية كافية حول العقوبة التي سيعاقب بها المعنّف، فتضطر الضحية إلى الصمت أو دفع مبالغ مالية يطلبها منها المعنّف كي يتم التستر عليهن”.
هذا الجو المربك، يدفع العديد من المتضرّرات إلى الصمت، خشية التعرّض للانتقاد أو التشكيك في سلوكهن أو تحميلهن جزءاً من المسؤولية، بينما لا يحمي هذا الصمت الضحايا، بل يمنح المنتهكين مساحة أوسع للاستمرار في انتهاكاتهم، فغياب التبليغ يحدّ من قدرة الجهات المختصة على رصد الظاهرة ومحاسبة الجناة، كما يرسّخ شعوراً لدى المعتدي بأنه بمنأى عن المساءلة، ويمكنه الإفلات من العقاب.
وفي النهاية، إنَّ حماية النساء في الفضاء الرقمي ليست قضية فردية، بل مسؤولية مجتمعية مشتركة، فكلّما تراجعت ثقافة اللوم والوصم، زادت فرص الضحايا في كسر حاجز الصمت، وتنامت قدرة المجتمع على مواجهة العنف الرقمي والحد من انتشاره، لخلق فضاء رقمي يكفل حرية التعبير للجميع من دون تمييز.
