مقدمة:
يشهد العصر الحالي تحولاً بنيوياً في طبيعة الفضاءات العامة، حيث لم يعد الفضاء الافتراضي مجرد أداة تكنولوجية توفر الرفاهية، بل أصبح حيزاً حيوياً لممارسة المواطنة، والتعبير عن الرأي وتحقيق التمكين الاقتصادي والسياسي. ومع ذلك يبرز في عصر الذكاء الاصطناعي مفهوم “النزوح الرقمي القسري” كظاهرة انتهاكية معاصرة لا تقل خطورة في أبعادها النفسية، والاجتماعية والحقوقية عن النزوح الجغرافي المادي[1]. وعلى الرغم من أن المبادئ التوجيهية للنزوح الداخلي للأمم المتحدة[2] صيغت في سياق النزوح الجغرافي المادي[3]، إلا أن التطور التكنولوجي وعصر الذكاء الاصطناعي يفرض التوسع في تفسير هذه المواثيق لتشمل النزوح الرقمي القسري. فالأركان الجوهرية للنزوح (الخوف من الاضطهاد، وفقدان الموارد، وتهديد الحياة والسمعة.. الخ) باتت تتحقق بالكامل داخل الفضاء الافتراضي.
يشكل العنف الذي تسهله التكنولوجيا ضد الإناث، مصدر قلق متزايد وهو كثيراً ما يظل غير معترف به وغير مبلغ عنه. وفي دراسة[4] أجريت في عام 2021 بشأن العنف ضد النساء على الإنترنت في 45 بلداً في جميع أنحاء العالم، تبين أن 85 في المائة من النساء اللاتي شملهن الاستقصاء تعرضن للعنف عبر الإنترنت، بما في ذلك التحرش/المضايقة، وتشارك المحتوى الحميمي والجنسي عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، والابتزاز الجنسي، والتنمر على الإنترنت واستغلال الإناث في المواد الإباحية.
وتظهر مؤسسة مراقبة (مرصد) الانترنت IWF (Internet Watch Foundation) في احدى التقارير خلال سنة 2023 انه اقتصرت معظم صور الاعتداء الجنسي على الأطفال التي شاهدناها على الفتيات بنسبة وصلت الى 97% [5]. أيضاً، ومن خلال تقرير بحثي تفاعلي عالمي ومنصة بيانات أطلقتها مؤسسة The Economist Intelligence Unit (EIU) بالتعاون مع منصة Jigsaw (التابعة لشركة جوجل) حول قياس مدى انتشار العنف عبر الإنترنت ضد المرأة ، أشار الى ان هناك 98% من العنف الإلكتروني تم رصده في الشرق الأوسط[6]، ويجري استخدام أدوات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي من أجل إنشاء مقاطع فيديو أو صور أو مقاطع صوتية متلاعب بها لأغراض خبيثة، مما يؤدي إلى ظهور محتوى جنسي أو إباحي يهدف إلى الابتزاز أو الإكراه.
الفضاء الرقمي في العراق، والذي لوحظ في فترات معينة باعتباره ملاذاً آمناً لتمكين النساء والفتيات ومساحة لكسر القيود التقليدية، تحول بشكل متسارع إلى بيئة طاردة ومسمومة نتيجة لتدفق أنماط عنيفة وممنهجة من العنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي كالعنف الميسر بالتكنلوجيا[1].
إن عمليات تصفية الوجود النسوي رقمياً، ودفع النساء والفتيات قسراً إلى خارج الفضاء الافتراضي عبر التهديد والترهيب، لا يمكن عزلها عن السياق العام المادي، بل هي امتداد مباشر وصورة متطورة لسياسات الإقصاء والتهميش الممارسة ضدهن في الواقع الجغرافي والاجتماعي والسياسي العراقي[2]. إن هذا المنفى الرقمي يمثل استراتيجية حديثة لإعادة إنتاج الهيمنة وسلب النساء مكتسباتهن الحديثة باستخدام أدوات التكنولوجيا الفائقة.
