المقال الأصلي منشور على منصة نيريج
أثار مقطع فيديو “دينا وضاح” الطالبة في كلية طب الأسنان بجامعة الكتاب الأهلية في محافظة كركوك، موجة واسعة من الجدل في العراق. وبينما انقسمت الآراء بشأن القرار الذي قد تتخذه إدارة الجامعة بحق الطالبة، سرعان ما تجاوز النقاش حدود الواقعة نفسها لينتقل إلى فضاء أكثر اتساعا وخطورة، تمثل في موجة تحريض وتشهير اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي خلال ايام قليلة، بحجّة ارتدائها “ملابس غير لائقة”.
ففي غضون ساعات، تحولت القضية من ملف إداري يفترض أن يُناقَشَ ضمن الأطر القانونية والجامعية إلى محاكمة شعبية مفتوحة شارك فيها آلاف ممّن أصدروا أحكاماً نهائية على الطالبة، وكأن منصات التواصل أصبحت بديلا عن المؤسسات المختصة، او محكمة بلا أدلّة ولا حق دفاع.
الضوابط الجامعية لا تبرر الكراهية
من باب الموضوعية، لا بُدّ من الإشارة إلى أن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تضع ضوابط تنظم الزي الجامعي والأنشطة الاحتفالية داخل الحرم الجامعي. ومن بين التعليمات التي أكدت عليها الوزارة فيما يتعلق بحفلات التخرج، هو عدم ارتداء أزياء أو ملابس تعد غير منسجمة مع الذوق العام أو ذات طابع تنكري لا ينسجم مع الأعراف الجامعية السائدة في المؤسسات التعليمية.
كما تؤكد التعليمات على ضرورة المحافظة على الطابع الأكاديمي للاحتفالات الجامعية، بما ينسجم مع مكانة المؤسسة التعليمية ورسالتها.
لا يبرر وجود “مخالفة للضوابط والتعليمات” حصول حملات تشهير وكراهية على مواقع التواصل الاجتماعي. فوقوع المخالفة لا يمنح أحداً الحقّ في التحريض أو الإهانة أو انتهاك الخصوصية
غير أن الإشارة إلى هذه الضوابط لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لحملات التشهير والكراهية التي شهدتها مواقع التواصل الاجتماعي. فوجود تعليمات أو حتى وقوع مخالفة لها لا يمنح أحداً الحقّ في التحريض أو الإهانة أو انتهاك الخصوصية. هناك فرق واضح بين حق الجامعة في تطبيق أنظمتها، وبين حق الناس المزعوم في ممارسة العقاب الجماعي خارج أي إطار قانوني أو أخلاقي.
أين ينتهي العيب وأين يبدأ القانون؟
القضية فتحت باباً لنقاش أوسع يتعلق بالعلاقة بين الأعراف الاجتماعية والقانون. ففي المجتمعات الحديثة توجد منظومتان تنظمان السلوك، الأولى أخلاقية واجتماعية تستند إلى العادات والتقاليد وما يراه الناس مناسبا أو غير مناسب، والثانية قانونية تستند إلى نصوص مكتوبة تحدد الحقوق والواجبات والعقوبات.
والمشكلة تبدأ عندما يجري الخلط بين هاتين المنظومتين. فقد يرى كثيرون أن لباس الطالبة لا ينسجم مع ما يعتبرونه معايير الذوق العام، وهذا يدخل في إطار الرأي والتقييم الاجتماعي.
“العيب” بطبيعته، مفهوم متغيّر يختلف من مجتمع لآخر ومن زمن لآخر. وما كان عاديا في مرحلة تاريخية معينة قد يصبح مرفوضا في مرحلة أخرى والعكس صحيح. ولذلك فإن المؤسسات لا يمكن أن تبني قراراتها على مفاهيم أخلاقية فضفاضة ومتغيرة، بل على تعليمات واضحة وإجراءات معلنة يعرفها الجميع مسبقا.
إن جوهر النقاش لا يتعلق بالدفاع عن نوع معين من الملابس، بقدر ما يتعلق بالدفاع عن مبدأ أساسي يتمثل في ضرورة الفصل بين الأحكام الأخلاقية والإجراءات القانونية، لأن الدولة التي تحكمها القوانين تختلف عن الدولة التي تحكمها الانطباعات وردود الأفعال.
النقاش لا يتعلق بالدفاع عن نوع معين من الملابس، بقدر ما يتعلق بالدفاع عن مبدأ أساسي يتمثل في ضرورة الفصل بين الأحكام الأخلاقية والإجراءات القانونية فالدولة يجب ان لاتحكمها الانطباعات وردود الأفعال
صفحات تصنع الغضب وتستثمره
ولم تقتصر موجات الهجوم على التعليقات الفردية، بل ساهمت بعض الصفحات والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي في تضخيم القضية وتحويلها إلى مادة يومية للاستقطاب. واتّجهت بعض المنصات إلى إعادة نشر مقطع الفيديو بصورة متكررة، مصحوباً بعناوين مثيرة وأوصاف تحمل أحكاما أخلاقية مسبقة.
بدا واضحا أن بعض الصفحات كانت تستثمر في الغضب الجماهيري أكثر مما كانت تبحث عن الحقيقة. فكلما ارتفع مستوى الاستفزاز والاتهامات ارتفع حجم التفاعل والمشاركات والتعليقات، وهو ما يشكل اليوم أحد أبرز مظاهر اقتصاد المنصات الرقمية.
وفي خضم هذه المنافسة على التفاعل، تحولت الطالبة إلى مادة للاستهلاك الجماهيري، وأصبح اسمها وصورتها محوراً لمئات المنشورات التي تجاوزت حدود النقد إلى التشهير المباشر والتحريض العلني.
والأخطر أن هذا النوع من المحتوى يخلق شعوراً زائفاً بالمشروعية لدى الجمهور، فكلما ازداد عدد المشاركين في الهجوم، ازداد الاعتقاد بأن ما يجري أمر طبيعي ومقبول، بينما هو في حقيقته شكل من أشكال التنمر الجماعي الذي يهدّد حياة الأفراد وسمعتهم ومستقبلهم.
بسرعة هائلة يتحول الرأي الالكتروني إلى ما يشبه المحكمة الشعبية، فبمجرد انتشار صورة تبدأ موجة من الأحكام القطعية التي لا تنتظر تحقيقاً ولا توضيحاً ولا حتى استماعاً إلى الطرف الآخر
عندما تتحول مواقع التواصل إلى محكمة
المقلق في هذه القضية ليس القرار الإداري وحده، بل السرعة الهائلة التي يتحول بها الرأي العام الإلكتروني إلى ما يشبه المحكمة الشعبية. فبمجرد انتشار صورة أو مقطع فيديو، تبدأ موجة من الأحكام القطعية التي لا تنتظر تحقيقاً ولا توضيحاً ولا حتى الاستماع إلى الطرف الآخر.
هذه الظاهرة باتت مألوفة في العراق. فكل قضية مثيرة للجدل تتحول إلى سبب استقطاب حاد، حيث يندفع المستخدمون إلى اختيار موقع الادعاء العام وإصدار الأحكام قبل معرفة الحقائق الكاملة. والأخطر أن هذه المحاكمات الرقمية لا تخضع لأي علاج.
الكراهية الجماعية.. تنظيم بلا منظم
ما يلفت الانتباه أن أغلب هذه الحملات، لا تُدار بالضرورة من جهات منظمة، بل تنشأ بصورة تلقائية. شخص ينشر تعليقا غاضبا، فيتبعه آخرون. صفحة تهاجم، فتتسابق أخريات للاصطفاف معها أو العكس. وهكذا تتشكل موجات ضخمة من الكراهية من دون وجود ضابط.
إنها حالة من التعبئة الجماعية السريعة التي تجعل الأفراد يتصرفون كجزء من حشد افتراضي أكثر من كونهم أصحاب آراء مستقلة. ومع تكرار التعليقات والمنشورات نفسها، تصبح الكراهية سلوكاً جماعيا يتغذى على ذاته.
النساء الهدف الأسهل
ورغم أن هذه الظاهرة قد تطال الجميع، فإن النساء هُنّ الأكثر عرضة لها. ففي العراق غالبا ما تتحول القضايا المرتبطة بهنّ إلى مادة خصبة للمراقبة الاجتماعية والأحكام الأخلاقية.
صورة شخصية، أو طريقة لباس، أو تصريح إعلامي، أو نشاط مهني، جميعها قد تكون معرّضة لموجات هجوم. وغالباً ما تتجاوز الانتقادات حدود الفعل نفسه لتطال الشخصية والعائلة والسمعة.
تكشف هذه الظاهرة عن استمرار النظرة التي تجعل المرأة موضع رقابة دائمة، وكأنها مطالبة بإثبات التزامها بمعايير المجتمع في كل لحظة.
المفارقة ان هذا الغضب، الذي ربما يرتبط بحالة الإحباط العام، لا يتجه نحو المشكلات الكبرى التي تؤثر في حياة الملايين، بل يتركز على قضايا فردية وشخصية في حين تبقى القضايا الجوهرية مهملة
لماذا تنتشر هذه الحملات بهذه السرعة؟
ربما يرتبط الأمر بحالة الإحباط العامة التي يعيشها المجتمع. فسنوات الأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية والخدمية خلقت قدراً كبيراً من الغضب المكبوت، يجد بعض الناس في مواقع التواصل منفذاً للتعبير عنه.
لكن المفارقة أن هذا الغضب لا يتجه دائما نحو المشكلات الكبرى التي تؤثر في حياة الملايين، بل كثيرا ما يفرغ في قضايا فردية أو شخصية. وهكذا تتحول فتاة أو شاب إلى ساحة لتصفية مشاعر الغضب الجماعي، في حين تبقى القضايا الجوهرية خارج دائرة الاهتمام بالقدر نفسه.
التشهير كسلوك مقبول… ما الذي نخسره؟
إن أخطر ما تتركه هذه الحملات ليس الضرر النفسي الواقع على الضحية فقط، بل ترسيخ ثقافة التشهير بوصفها سلوكاً مقبولا. ومع كل حملة جديدة يعتاد المجتمع أكثر على انتهاك الخصوصية والتدخل في حياة الآخرين وإصدار الأحكام عليهم.
وحين تصبح الكراهية فعلاً يومياً عادياً، يفقد المجتمع جزءا من حساسيته تجاه الأذى الذي يسببه للآخرين. ويصبح التنمر مجرد رأي، والتشهير مجرد نقد، والتحريض مجرد تفاعل إلكتروني.
إن قضية طالبة جامعة الكتاب الاهلية، بصرف النظر عن القرار الإداري الذي قد يُتَخَذ بحقها، تطرح سؤالا أكبر من الواقعة نفسها: لماذا أصبح المجتمع مستعداً بهذه السرعة للتحوّل إلى حشد غاضب؟ ولماذا تبدو النساء في مقدمة أهداف هذا الغضب؟
قد تختلف الآراء بشأن التعليمات الجامعية أو العقوبات المترتبة على مخالفتها، لكن ما لا ينبغي الاختلاف عليه هو أن الكرامة الإنسانية لا تسقط بمجرد خطأ أو مخالفة، وأن المجتمع الذي يتحول إلى محكمة دائمة يفقد شيئا من عدالته في كل مرة يصدر فيها حكما جماعيا على أحد أفراده، وخصوصاً مجتمع كالعراقي الذي سبق حذرت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)، في أحد بياناتها، من تنامي العنف الرقمي ضد النساء والفتيات، مؤكدة أن حملات التشهير والتحريض وخطابات الكراهية الإلكترونية أصبحت تشكل عائقا أمام مشاركة النساء في الحياة العامة والتعبير عن آرائهن بحرية.
