كيبورد: كرار السراي
المنشور الأصلي على موقع الرابعة ضمن مشروع أنسم لتمكين الصحافيين الشباب في الكتابة في مجال العنف القائم على النوع الإجتماعي المُيسر بالتكنولوجيا
في رواية ظلال رقمية للكاتبة الجزائرية الدكتورة مريم نريمان نومار، تستغرب جوري من قلة الصور التي تحتفظ بها والدتها من طفولتها وشبابها، لم تكن تقارن بين جيلين مختلفين فحسب، بل كانت تكتشف الفرق بين طريقتين متباينتين في فهم الحياة نفسها. كانت والدتها ترى في تلك الصور ذكريات صادقة تمثل مراحل مختلفة من عمرها، في حين كانت جوري تنتمي إلى جيل يمتلك آلاف الصور المخزنة في هاتفه. غير أن المفارقة لم تكن في عدد الصور، بل في طريقة التعامل معها؛ فالأم كانت تقبل الصورة كما هي، أما جوري فكانت ترى أن الصورة لا تصبح جاهزة للظهور إلا بعد التعديل والتحسين وإضافة الفلاتر. ومن هنا تنطلق قضية معاصرة تتجاوز الرواية – التي تناقش التحديات الرقمية للمراهقات من خلال قصص واقعية – نفسها: هل ما زلنا نعيش حياتنا كما هي، أم أننا أصبحنا نعيد تحريرها وإخراجها رقميا قبل أن نسمح للآخرين برؤيتها؟
ارتبطت الصورة في الماضي بوظيفة بسيطة تتمثل في حفظ الذكريات وتوثيق اللحظات المهمة. وكانت الأسرة العراقية -على سبيل المثال- تحتفظ بألبومات الصور سنوات طويلة بوصفها سجلا للحياة العائلية والأحداث الاجتماعية. أما اليوم فقد تغيرت وظيفة الصورة بشكل ملحوظ. فلم تعد الصورة مجرد وسيلة للتوثيق، بل أصبحت وسيلة للتعبير عن الهُوِيَّة وصناعة الانطباع.
يمكن ملاحظة ذلك في حفلات التخرج أو المناسبات الاجتماعية داخل العراق، حيث يقضي الكثير من الشباب وقتا طويلًا في التقاط الصور واختيار الزوايا المناسبة وإجراء التعديلات قبل نشرها. وفي بعض الأحيان يصبح الاهتمام بتوثيق الحدث أكبر من الاهتمام بالحدث نفسه. وهكذا تتحول الصورة من سجل للواقع إلى نسخة مُعاد إنتاجها وفق المعايير التي يفرضها العالم الرقمي.
الهُوِيَّة الرقمية وإعادة تشكيل الذات
تكشف شخصية “جوري” جانبا مهما من التحولات التي يعيشها الشباب في العصر الرقمي. فهي لا تنظر إلى نفسها من خلال تجربتها الواقعية فحسب، بل من خلال الصورة التي ستظهر بها أمام الآخرين على الشاشة. وهذا ما يدفعها إلى مراجعة شكلها ومظهرها باستمرار. في الواقع المعاصر أصبحت المنصات الرقمية مساحة لإعادة تشكيل الهُوِيَّة. وتوضح مقالة سوسيولوجية أن بعض الأفراد يتبنون شخصيات رقمية بديلة (Avatar) ويعيشون من خلالها حيوات موازية، حتى يصبح ارتباطهم بعلاقاتهم الافتراضية أقوى من ارتباطهم بعلاقاتهم الواقعية. وهذا يفسر كيف يمكن للعالم الرقمي أن يتحول تدريجيًا من مساحة للتواصل إلى فضاء بديل للهوية والانتماء. فالأفراد لا ينشرون كل تفاصيل حياتهم، بل يختارون أجزاء محددة منها ويعرضونها بطريقة انتقائية. لذلك أصبح لكل شخص تقريبًا نسخة رقمية تمثله أمام الجَمهور. وقد لا تكون هذه النسخة كاذبة، لكنها ليست بالضرورة صورة كاملة عن الواقع. وتظهر هذه الظاهرة بوضوح في حسابات كثير من المؤثرين وصناع المحتوى العراقيين، حيث تُعرض لحظات النجاح والسفر والإنجاز بصورة مستمرة، بينما تبقى الجوانب الأخرى من الحياة بعيدة عن أنظار المتابعين. ومع مرور الوقت قد يختلط الأمر على الجَمهور بين الواقع الفعلي والصورة الرقمية المنتقاة بعناية. لدرجة أن العيش في العالم الافتراضي أصبح نوع من المواطنة الجديدة، حَسَبَ دراسة تحليلية، وأن هناك “هجرة جماعية لجيل الشباب العربي إلى وطن الشبكات الرقمية والنشاط السياسي التفاعلي”.
ولا يتوقف أثر الهُوِيَّة الرقمية عند الطريقة التي يقدم بها الإنسان نفسه للآخرين، بل يمتد إلى الطريقة التي ينظر بها إلى نفسه أيضًا. فعندما تصبح هذه الهُوِيَّة حاضرة باستمرار أمامه وأمام الآخرين، تتسع دائرة المقارنة بصورة غير مسبوقة.
ومن أبرز النتائج التي أفرزها العالم الرقمي اتساع دائرة المقارنة الاجتماعية بين الأفراد. ففي الماضي كانت المقارنة محدودة بالبيئة المحيطة بالفرد وحده، أما اليوم فقد أصبحت مفتوحة على العالم كله. فالشاب العراقي يستطيع خلال دقائق أن يشاهد حياة أشخاص من دول وثقافات مختلفة، وأن يقارن نفسه بهم بصورة مستمرة.
وهنا تكمن المشكلة في أن هذه المقارنة لا تحدث بين واقعين حقيقيين، بل بين حياة يعيشها الإنسان بكل ما فيها من تحديات وصعوبات، وصور رقمية منتقاة بعناية لإبراز أفضل اللحظات فقط. ولهذا يشعر كثير من الشباب بعدم الرضا عن حياتهم رغم أنهم يقارنونها بنماذج غير مكتملة أصلا.
ونلاحظ بشكل جلي، تزايد الضغوط النفسية المرتبطة بالسعي إلى تحقيق صورة مثالية على الإنترنت. فعدد المتابعين والإعجابات والتعليقات أصبح بالنسبة لبعض الأشخاص معيارًا للقبول الاجتماعي من عدمه، رغم أنه لا يعكس بالضرورة قيمة الفرد أو نجاحه الحقيقي.
وبالعودة إلى رواية “ظلال رقمية” فيمكن القول أنها لا تدع إلى رفض التكنولوجيا أو الابتعاد عن وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مطلق، بل تدعو بصورة غير مباشرة إلى إعادة النظر في علاقتنا بها. فالمشكلة لا تكمن في وجود العالم الرقمي، وإنما في تحوله إلى مرجع وحيد لتقييم الذات والحياة.
إن التحدي الحقيقي للفرد باستخدامه مواقع التواصل الاجتماعي، يتمثل في تحقيق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا والحفاظ على التجربة الإنسانية المباشرة. فالصور يجب أن توثق الذكريات لا أن تستبدلها، والمنصات ينبغي أن تكون وسيلة للتواصل لا مصدرًا دائمًا للمقارنة والقلق. ثم أن قيمة الإنسان لا تقاس بعدد المتابعين أو الإعجابات، بل بما يحققه في واقعه وعلاقاته وإنجازاته الحقيقية.
وختامًا، فأن الرواية تكشف أن الإنسان المعاصر لم يعد يواجه تحدي استخدام التكنولوجيا فحسب، بل يواجه تحدي الحفاظ على ذاته وَسَط حضورها المتزايد. فكلما ازدادت قدرتنا على تعديل الصور وصناعة المحتوى وإدارة هوياتنا الرقمية، أصبح من الضروري أن نسأل أنفسنا: هل تظهر هذه النسخ الرقمية حقيقتنا فعلا، أم أنها مجرد صور مصممة بعناية لإرضاء الآخرين؟ وربما يكون السؤال الأهم: عندما تنطفئ الشاشات، أيهمًا يبقى أكثر صدقا؛ حياتنا التي عشناها، أم النسخة الرقمية التي صنعناها عنها؟
