التدوينة الأصلية منشورة على موقع العالم الجديد
عندما أفتح ألبوم الصور القديم لوالدي، لا أبحث عن أجمل صورة له، بل عن وجهه كما عرفته. أتأمل تفاصيل ابتسامته، وانحناءة حاجبيه، والتجاعيد التي حفرتها السنوات حول عينيه. تلك الصور لم تكن مثالية، لكنها كانت صادقة، ولذلك بقيت قادرة على إحياء حضوره في ذاكرتي حتى بعد رحيله. ربما لهذا تبدو الصور العائلية أكثر من مجرد توثيق للحظات؛ إنها تحفظ ملامح من أحببناهم كما كانوا، وتمنح الأجيال القادمة فرصة التعرف إليهم حتى في غيابهم.
لأجيال طويلة، كانت الصورة تحفظ الحقيقة أكثر مما تصنعها. كانت الألبومات العائلية تسجل لحظات الميلاد، والأعياد، والسفر، والنجاحات، وحتى المواقف العادية التي لم يكن أصحابها يتخيلون أنها ستصبح يوماً أثمن ما يملكه أبناؤهم. لم تكن تلك الصور خالية من العيوب، لكنها كانت تحتفظ بما هو أهم من الكمال؛ كانت تحتفظ بالإنسان كما كان.
أما اليوم، فقد تغيّرت وظيفة الصورة تدريجياً. لم تعد وسيلة لتوثيق اللحظة بقدر ما أصبحت وسيلة لإعادة إنتاجها. بضغطة واحدة باستخدام الفلاتر الرقمية يمكن تعديل ملامح الوجه، وتغيير لون البشرة، وإخفاء آثار التعب أو العمر، حتى يبدو الشخص أقرب إلى نسخة متخيلة من نفسه. ومع تكرار ذلك، تصبح الصورة التي ستبقى في ذاكرة الأبناء والأحفاد أقل شبهاً بالشخص الحقيقي الذي عاش بينهم.
هنا تتجاوز القضية حدود الجمال والثقة بالنفس. والسؤال الأهم ليس لماذا نستخدم الفلاتر، بل ماذا يحدث لذاكرتنا عندما تصبح الصور التي نتركها وراءنا مختلفة عن وجوهنا الحقيقية؟
هذا السؤال لا يطرحه الواقع وحده، بل تطرحه أيضاً رواية ظلال رقمية للكاتبة الجزائرية مريم نريمان نومار، التي تتناول حياة مجموعة من الشباب وهم يحاولون التوفيق بين ذواتهم الحقيقية والصور التي يصنعونها لأنفسهم في العالم الرقمي. ومن بين شخصياتها تبرز جوليا، الفتاة التي تجد نفسها عالقة بين نظرتها إلى ذاتها والصورة التي يفرضها عليها العالم من حولها.
حين تقول لها والدتها: “إنك جميلة، لكني أريدك أن تشعري بذلك أيضاً”، تكشف الرواية أن المشكلة لا تكمن في المظهر بقدر ما تكمن في شعور الإنسان بقيمته. فالأم لا تقول لابنتها إنها جميلة فقط، بل تتمنى أن يصبح هذا الجمال إحساساً داخلياً لا يحتاج إلى تصديق الآخرين. هنا يصبح السؤال أعمق من الصورة نفسها: ماذا يحدث عندما لا يعود الإنسان قادراً على رؤية نفسه إلا من خلال النسخة التي تكافئها المنصات الرقمية؟
مع مرور الوقت، لا يعود الفلتر مجرد وسيلة لتحسين الصورة، بل يصبح وسيلة لإعادة تشكيل الذات حتى تقترب من الصورة التي يصفق لها الآخرون. وربما لهذا تصبح شخصية جوليا مألوفة إلى هذا الحد؛ فهي لا تمثل حالة فردية، بل تعكس تجربة يعيشها كثير من الشباب والفتيات اليوم، حيث يصبح الاعتراف الاجتماعي مرتبطاً بصورة محسّنة أكثر من ارتباطه بالذات الحقيقية. ومع الوقت، لا يعود الإنسان يخشى أن يراه الآخرون على طبيعته فحسب، بل قد يبدأ هو نفسه في نسيان ملامحه الحقيقية، لأن النسخة الرقمية أصبحت أكثر حضوراً من الواقع.
ولا تكتسب الصور قيمتها لأنها جميلة، بل لأنها تصبح مع مرور الزمن بديلاً عن الذاكرة نفسها. فعندما يغيب الأشخاص، تبقى صورهم شاهدة على ملامحهم، وتتحول إلى الوسيلة التي يتعرف بها الأبناء والأحفاد إلى من سبقهم. في هذه اللحظة، لا تعود الصورة تفصيلاً عابراً، بل تتحول إلى جزء من هوية العائلة، ومن الطريقة التي تتوارث بها الأجيال قصتها.
تزداد قيمة هذه الذاكرة في المجتمعات التي عاشت الحروب والنزوح والهجرة، حيث تصبح الصور أحياناً آخر ما يربط الأجيال بأماكنها الأولى وبمن فقدوهم في الطريق. وفي العراق، كما في كثير من بلدان المنطقة، نشأ جيل كامل بين مدن تغيّرت، وبيوت هُدمت، وعائلات تفرقت بين الداخل والمهجر. وفي مثل هذه السياقات، لا تؤدي الصور وظيفة عاطفية فحسب، بل تصبح جزءاً من مقاومة النسيان، وحفظ تاريخ الأسرة، وإعادة بناء الشعور بالانتماء. فإذا كانت هذه الصور نفسها تُعاد صياغتها باستمرار حتى تفقد ملامح أصحابها، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بالجمال، بل بقدرة الذاكرة على الاحتفاظ بالحقيقة.
وبهذا الصدد، يرى الباحث المغربي فريد العماري، في دراسته النظرية بعنوان “الذاكرة، الهوية والصورة: دراسة نظرية في الإشكالات والأبعاد العلائقية“، التي تبحث في العلاقة بين الذاكرة والهوية والصورة ودور الصورة في تشكيل الوعي والذاكرة الجماعية، أن الصورة ليست مجرد وسيلة لتوثيق الماضي، بل أداة تبني من خلالها الجماعات ذاكرتها وتثبت معالم هويتها. كذلك، تشير الباحثة السعودية غادة المهنا أبا الخيل، في حوار مع صحيفة الجزيرة، إلى أن الصور القديمة تُعتبر “ذاكرة المكان والناس”، لأنها تحفظ تفاصيل الحياة وتوثق التحولات الاجتماعية والعمرانية، وتربط بين الصورة والذاكرة والمكان والهوية. وهذا المعنى يوضح أن قيمة الصورة لا تكمن في جمالها فقط، بل في قدرتها على إبقاء علاقة الإنسان بماضيه ومكانه حية في وعي الأجيال اللاحقة.
من هنا يصبح أثر الفلاتر أكثر خطورة مما يبدو. فهي لا تجعل الأشخاص “أجمل” فقط، بل تجعلهم أكثر تشابهاً. تصغّر الأنف، وتكبّر العين، وتوحّد لون البشرة، وتمحو آثار التعب والعمر، وتدفع ملايين المستخدمين نحو نموذج بصري واحد. وكأن الوجوه، بدلاً من أن تحمل اختلافاتها الخاصة، تُعاد صياغتها وفق قالب جماعي زائف. وفي زمن تتعرض فيه الهويات الفردية والعائلية والوطنية لضغوط مستمرة بفعل الحروب والهجرة والعولمة، يصبح فقدان الملامح الخاصة أكثر من مجرد تغيير شكلي؛ إنه مسخ ناعم لذاكرة الوجوه.
فالصور التي كانت تحفظ اختلافنا، وملامحنا الخاصة، وعلامات الزمن على وجوهنا، تتحول تدريجياً إلى صور متشابهة يصعب تمييز أصحابها عن بعضهم. وهكذا لا نخسر جزءاً من مظهرنا فحسب، بل نخسر شيئاً من قصتنا أيضاً. فالذاكرة لا تتشكل من الأحداث الكبرى وحدها، بل من التفاصيل الصغيرة: تجعيدة على وجه أم، ابتسامة أب، ملامح جد، صورة قديمة أمام بيت لم يعد قائماً، أو لحظة عائلية عادية صارت بعد سنوات دليلاً على أن شيئاً من حياتنا كان حقيقياً.
ربما لن يتذكر أبناؤنا عدد الإعجابات التي حصلت عليها صورنا، ولا الفلاتر التي استخدمناها، لكنهم سيبحثون يوماً عن وجوهنا. سيفتشون في الصور كما نفتش نحن اليوم في ألبومات آبائنا، بحثاً عن ابتسامة حقيقية أو نظرة مألوفة أو ملامح تعيد إليهم شعوراً بالأمان والانتماء. والسؤال الذي تتركه لنا ظلال رقمية ليس إن كنا نستخدم الفلاتر أم لا، بل إن كنا ما زلنا نمنح أبناءنا فرصة أن يعرفونا كما كنا حقاً.
وقد يأتي يوم يفتح فيه أبناؤنا ألبوماتنا الرقمية بحثاً عنا، فلا يجدون إلا أشخاصاً يشبهوننا، لكنهم ليسوا نحن. وربما لا تكون خسارتنا الكبرى أن الفلاتر أخفت تجاعيد وجوهنا، بل أنها قد تخفي عن أبنائنا الإنسان الذي كنّاه. فالصورة لا تحفظ الملامح وحدها؛ إنها تحفظ الحقيقة أيضاً.
