عندما نظرت جوري إلى صورتها الحقيقية في رواية ظلال رقمية للكاتبة الجزائرية مريم نريمان نومار التي تستكشف الضغوط التي يواجهها الشباب في عالم الانترنت اليوم، لم ترَ الفتاة المتفوقة والجميلة التي يراها الآخرون، بل رأت وجهاً لا يشبه النسخة المفلترة التي اعتادت رؤيتها على الشاشة. لم تكن المشكلة في ملامحها، ولا في أنفها، ولا في صورتها العابرة، بل في المعيار الجديد الذي صنعته المنصات الرقمية داخل وعيها. فقد أصبحت النسخة المعدلة أكثر حضوراً من الوجه الحقيقي، وأكثر إقناعاً منه، حتى بدا الواقع نفسه ناقصاً يحتاج إلى إصلاح.
من هنا تبدأ الرحلة الأخطر: من فلتر عابر يُستخدم للتسلية، إلى صورة مثالية تتكرر يومياً، ثم إلى معيار داخلي يقيس الإنسان نفسه من خلاله. فالفلاتر لا تعدّل الصور فحسب، بل تعيد تعريف الجمال نفسه. ومع كل صورة معدلة، تتشكل معايير جديدة تبدو أكثر كمالاً وأقل ارتباطاً بالواقع؛ عينان أوسع، وأنف أصغر، وبشرة أكثر صفاءً، ووجه أقرب إلى قالب بصري واحد تكرره المنصات الرقمية. ومع الوقت، لا يعود الوجه الطبيعي معياراً، بل يصبح هو النسخة التي تحتاج إلى تعديل.
وهذا تماماً ما تكشفه شخصية جوري. فهي لا تعاني من مشكلة حقيقية في ملامحها، لكنها اعتادت رؤية نفسها من خلال الفلاتر حتى أصبحت تنظر إلى وجهها الطبيعي بوصفه نسخة تحتاج إلى تعديل. وهكذا يتحول الفلتر من أداة للترفيه إلى مرآة تعيد تشكيل صورة الذات. وعندما تصبح الصورة الرقمية هي المعيار، يصبح التجميل امتداداً طبيعياً لها. فلا يعود الهدف معالجة عيب أو إبراز ملامح فردية، بل إعادة تشكيل الوجه ليقترب من النموذج الموحد الذي تفرضه المنصات الرقمية.
ويجد هذا التحول صداه في العراق، حيث لم تعد وسائل الإعلام تناقش ازدياد عمليات التجميل بوصفها ظاهرة جمالية فحسب، بل بوصفها صناعة تجارية تتوسع بسرعة وسط ضعف الرقابة. فقد كشف تحقيق نشره رصيف22 عن انتشار مراكز تجميل غير مرخصة أو تعمل تحت غطاء صالونات تجميل، بعضها تديره أو تحميه جهات ذات نفوذ سياسي، في ظل إقبال متزايد من المراجعين وإعلانات مكثفة على وسائل التواصل الاجتماعي. كما حذرت سكاي نيوز عربية، نقلاً عن مسؤولين في نقابة الأطباء العراقيين، من أن الفوضى في هذا القطاع حوّلت بعض إجراءات التجميل من ممارسة طبية إلى سوق ربحي، مع تكرار حوادث التشوهات والوفيات الناتجة عن مراكز غير مؤهلة. بل أنه وبحسب تقرير للعربي الجديد، تزايد إقبال الرجال أيضاً على عمليات التجميل، مدفوعين بتأثير وسائل التواصل الاجتماعي وتغيّر معايير الجمال. ويثير هذا التحول سؤالاً أعمق: إذا كان الجميع يسعون إلى الملامح نفسها، فهل نحن أمام تحسين للجمال، أم أمام فقدان تدريجي للتنوع الذي يمنح كل وجه هويته الخاصة؟
الإجابة تأتي من الأدبيات الطبية التي عرّفت هذا التحول باسم “إضطراب سناب تشات“. فقد رصدت دراسات في جراحة التجميل ازدياد أعداد الأشخاص الذين يقصدون العيادات وهم يحملون صورهم المعدلة بالفلاتر، لا صور المشاهير كما كان شائعاً في السابق، طالبين أن تصبح وجوههم الحقيقية أقرب إلى نسخهم الرقمية. ولم يعد الهدف إزالة عيب أو تحسين تفصيل جمالي، بل الوصول إلى صورة مثالية صممتها الخوارزميات والمنصات الرقمية مسبقاً. وهنا يتغير معنى التجميل؛ من إبراز الملامح الطبيعية إلى إعادة تشكيلها وفق نموذج رقمي موحد.
ما يثير القلق ليس انتشار عمليات التجميل بحد ذاته، ولا رغبة الأفراد في تحسين مظهرهم، فذلك قد يكون خياراً شخصياً مشروعاً. الخطر يبدأ عندما تتحول هذه الرغبة إلى سباق جماعي نحو وجه واحد. فبدلاً من أن يساعد التجميل الإنسان على التصالح مع ملامحه، قد يتحول إلى أداة لمحو الاختلافات التي تجعل كل وجه خاصاً بصاحبه. وهنا لا نكون أمام تحسين للجمال، بل أمام استنساخ ناعم للوجوه وفق معايير زائفة تصنعها المنصات وتغذيها الإعلانات وتربح منها عيادات ومراكز تجميل كثيرة.
السؤال الذي تتركه لنا ظلال رقمية ليس ما إذا كانت الفلاتر جميلة أو مسلية، بل ما الذي تفعله بنا عندما تتحول إلى معيار. فحين يصبح الوجه الحقيقي أقل قبولاً من صورته المعدلة، وحين يصبح التجميل محاولة للحاق بصورة رقمية لا تستقر، لا تتغير الملامح وحدها، بل تتغير علاقتنا بذواتنا. وما كان في الأمس صورة تُحذف، قد يصبح اليوم وجهاً يُعاد تشكيله. وبين الفلتر ومشرط الجراح، قد لا نخسر عيباً في الصورة، بل نخسر شيئاً من قدرتنا على رؤية أنفسنا كما نحن.
