شهد الفضاء الرقمي في العراق خلال العقد الأخير تحولاً مزدوجاً ومتناقضاً، فبينما فتح آفاقاً للتنظيم الشبكي، والتعبير عن الذات، والتمكين الاقتصادي والسياسي للنساء والفتيات، تحول في الوقت نفسه إلى مساحة مستحدثة لإعادة إنتاج وتمتين هياكل القمع والعنف بشتى انواعه. ينبثق العنف الميسر بالتكنولوجيا ضد النساء والفتيات في العراق (TFGBV) ليس بصفته مجرد انحراف تقني طارئ أو سلوك فردي معزول، بل بوصفه امتداداً هيكلياً ومباشراً للعنف المادي والرمزي الممارس ضد النساء.
المعضلة الأبرز في المشهد العراقي اليوم، لا تكمن فقط في تصاعد حدّة الانتهاكات الرقمية، بل في طبيعة النهج الفكري والبرامجي الذي تتبناه العديد من منظمات المجتمع المدني عند التصدّي لهذه الانتهاكات. إنّ الخطاب المهيمن لدى قطاع واسع من الفاعلين المدنيين لا يزال يقع – بشكل غير مباشر وفي كثير من الأحيان دون قصد – في فخ سردية الضحية العاجزة. تتجسد هذه السردية في التعامل مع المرأة كمستجيبة انفعالية تفتقر إلى الفاعلية، وتستجدي الحماية من المؤسسات العشائرية أو الأمنية أو الأبوية على سبيل المثال، أو حثّها على الانسحاب والتخفّي وحرمانها من التواجد الرقمي تحت ذريعة الحماية والوقاية.
إن هذا الطرح التقليدي وإن كان مبنياً على نوايا حسنة لإنقاذ النساء من المخاطر الفورية، يُمثل تحدياً منهجياً خطيراً يُلحق الضرر بمشاريع منظمات المجتمع المدني وتأثيرها المستدام إن لم تتم مراجعتها والوقوف على إعادة النظر فيها. فالنصائح البرامجية التي ترتكز على إملاء السلوكيات الوقائية على النساء (مثل المطالبة بعدم نشر الصور، أو إغلاق الحسابات، أو تجنب النقاشات العامة) تُعيد إنتاج ثقافة لوم الضحية، وتُحفز على ممارسة الرقابة الذاتية وتتماشى ضمنياً مع أهداف الجناة في إخلاء الفضاء العام من النساء. ومن هنا ينبثق هذا المقال بوصفه دعوة استراتيجية صريحة لكافة منظمات المجتمع المدني في العراق، بضرورة الابتعاد عن منهجية سردية الضحية في العنف الميسر بالتكنلوجيا ضد النساء والفتيات، وموائمة السياسات والبرامج وقواعد السلوك وفق إطار المواطنة الرقمية النسوية. إن هذا الإطار البديل يعيد تعريف النساء والفتيات ليس كضحايا مفترضات ينتظرن الحماية الأبوية، بل كـذوات فاعلة ومالكات للحقوق يمتلكن الحق الأصيل والكامل في شغل الفضاء الرقمي، وإعادة صياغة قواعده، والمطالبة بالعدالة والانتصاف دون خضوع أو وصم.
اقرأ الورقة كاملة في الأسفل
