الملخص
مع كل اقتراب لموعد الانتخابات البرلمانية في العراق، تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى أداة فعّالة بيد القوى المتنافسة على المقاعد، حيث تستخدم الصفحات والحسابات العراقية لخلق تأثير مباشر على الرأي العام وتوجيه المزاج الانتخابي.
شهدنا هذا النمط بوضوح خلال الانتخابات الأخيرة التي أُجريت في 11 تشرين الثاني 2025، حيث أصبحت الفضاءات الرقمية جزءَ رئيسيًا من المعركة الانتخابية، وليس مجرد مساحة للنقاش أو التعبير عن الرأي.فمع إعلان موعد الإنتخابات بدأت منصات التواصل الإجتماعي العراقية متمثلة بالصفحات العراقية بالتحول إلى أداة بيد الأطراف المتنوعة و المتنازعة على المقاعد البرلمانية ولا يخفى على المتتبع للسياق الانتخابي في العراق أن معركة التشهير و التسقيط السياسي هي أحد أبرز الوجوه و الأدوات التي يتم تصديرها للرأي العام لتحويل أي شخصية من منبوذة إلى قدوة أو من مدافع شرس عن الحقوق إلى شخصية منبوذة مجتمعيا،حيث تسيطر عقلية خلق التريند على الطبقة السياسية في العراق حتى ظهرت الكثير من التقارير الصحفية التي تصف الحكومات العراقية المتعاقبة ب”حكومات التريند” في إشارة إلى عدم تحرك السلطات أو خلق التغيير ما لم تكن القضية قد تأهلت إلى منصب التريند و التداول المتكرر على الصفحات الرقمية ،ناهيك عن ظاهرة بيع الصفحات و تغييرها بأسماء المرشحين لدعمهم تارة و تسقيطهم تارة أخرى وفقا لما تقتضيه المصلحة السياسية.
تتعرض النساء في العراق لأنماط متكررة من العنف الرقمي والذي يعرف عالميا وفقًا لتعريف الأمم المتحدة، بأنه أي شكل من أشكال العنف الذي يُسهَّل أو يُرتكب باستخدام التكنولوجيا أو الواجهات الرقمية – وتحديدًا الإنترنت أو الأجهزة الذكية. [1] و التضليل الإعلامي تجاه النساء السياسيّات يرتكز في الغالب على معايير غير متعلقة بكفاءاتهن، مثل شكلهنّ أو ملابسهن أو حتى علاقاتهن الشخصيّة، عوضًا عن التركيز على أفعالهنّ السياسيّة وآرائهنّ. هذا التصرف يسهم في تعزيز الصور النمطيّة السلبيّة حول النساء في المجال السياسيّ، ويجعل من السهل استهدافهن وتشويه سمعتهن لتقليل فرصهن في التأثير أو الوصول إلى المناصب. وإضافةً إلى ذلك، يُعتبر هذا التضليل مجازًا مقبولًا لطبقة من الأوساط الاجتماعيّة في العراق، والتي تُبرر استخدامه كوسيلة للضغط السياسي؛ ممّا يؤدي إلى تعزيز القبول المجتمعيّ لهذا النوع من التسقيط الذي يُستخدَم ضدّ النساء اللواتي قد تكون لهن آراء سياسيّة أو طموحات تتعارض مع توجهات معينة. تستمر هذه الظاهرة في التأثير على النساء اللواتي يسعين لدخول المجال السياسيّ، أو اللواتي لديهن طموحات في التأثير على القرار السياسي، وتظل معايير التقييم الجماليّة والشكلية هي الطاغية على ما عداها؛ ممّا يساهم في تكريس ثقافة القمع والتمييز ضدهنّ في الساحة السياسيّة.[2]
تعكس قضية زينب جواد التي تتناولها هذه الورقة واحدة من أكثر نماذج العنف الرقمي الموجه ضد النساء تعقيدًا وشراسة في العراق خلال السنوات الأخيرة. بدأت الحملة ضدها بعد بروزها كصوت مدافع عن حقوق النساء، ورفضها العلني لتعديل قانون الأحوال الشخصية العراقي. وتعرضت إثر ذلك لسلسلة من الانتهاكات الرقمية الممنهجة، بتوقيفها المؤقت من قبل جهة أمنية، ومصادرة هاتفها دون أمر قانوني، وتسريب صورها الشخصية الخاصة لاحقًا إلى العلن، في انتهاك صارخ لخصوصيتها.
لم تقتصر الهجمة على التشهير الأخلاقي، بل تطورت إلى حملات تحريض واسعة على مواقع التواصل، استخدمت فيها خطابات دينية وأخلاقية، تضمنت اتهامات بالطعن في المذهب، والعمالة للغرب، والارتباط بمنظمات المجتمع المدني-كتهمة على العمالة-، إلى جانب إعادة تدوير صور ومقاطع صوتية قديمة بهدف التشويه المستمر. كما رُصدت تعليقات تحريضية مباشرة على العنف الجسدي والقتل، تحت شعارات مثل “غسل العار”، في مؤشر خطير على تصاعد العنف الرقمي إلى مستوى التهديد الوجودي.
تركز هذه الورقة على تحليل أبعاد العنف الرقمي الموجه ضد النساء في العراق، من خلال دراسة حالة زينب جواد كنموذج متكامل. وتتناول الورقة أشكال العنف المستخدمة ضدها، مثل التشهير، الابتزاز، التشويه الأخلاقي، التحريض، وانتهاك الخصوصية، بالإضافة إلى استغلال الانتماء الديني والهوية الجندرية كأدوات إسكات وتقييد للمشاركة العامة.
تنويه:
تم اختيار هذه الحالة بوصفها نموذجاً بحثياً يساعد على رصد وتحليل أنماط العنف الرقمي الموجّه ضد النساء، ولا يُفهم من اختيار الشخصية محل الدراسة أي تبنٍّ أو تأييد لمواقفها أو آرائها أو خطابها، ولا يشكّل ذلك دفاعاً عنها أو حكماً على الجدل المرتبط بها. تنحصر غاية الورقة في تحليل طبيعة العنف الرقمي وآلياته وأدواته، بغض النظر عن الموقف من الشخصية نفسها أو من أفكارها ومواقفها العامة.
[1] OGBV: What is it and How Do We Deal With it?
https://center4girls.org/ogbv-what-is-it-and-how-do-we-deal-with-it
[2] التضليل المعلوماتيّ ضد النساء في العراق: تشويه يصل إلى القتل
https://arabifactshub.com/ar/researches/details/43902
اقرأ الدراسة الكاملة
