إنتهاكات الحقوق الرقمية للعراقيين في احتجاجات تشرين : قطع الإنترنت وحجب المنصّات وتفتيش الهواتف
بعد تفجّر احتجاجات تشرين الأول /أكتوبر 2019 في العراق، فرضت السلطات العراقية حجباً واسعاً لمنصّات التواصل تلاه قطع شبه كلي للإنترنت شمل معظم المحافظات (استُثني غالباً إقليم كوردستان)
لاحقاً تكرّر القطع على موجات متقطّعة في تشرين الثاني/نوفمبر 2019، هذا القطع قُدّم بوصفه ” إجراءً أمنياً ” يُزامن حالة الإحتجاج في البلد، لكنه عطّل حقوقاً أساسية: حرية التعبير، التجمّع السلمي، والوصول إلى المعلومات، وقيّد التغطية الصحفية والتوثيق، وسهّل إجراء الإنتهاكات بحق المحتجين.
حيث كان هذا الحجب أداة للسلطات لإعاقة التواصل بين المحتجين وتنظيمهم احتجاجاتهم، ومنعهم من توثيق حالات القمع والانتهاكات الممُارسة بحقهم ومشاركتها وأرشفتها، وحرمانهم من إيصال صوتهم للمجتمع المحلي والدولي، ودفعهم للمجهول بتغييب المعلومات التي قد تحمي أمنهم وسلامتهم من الانتهاكات والمخاطر.
في بيانٍ له، صرح رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي – الذي استقال بعد الإحتجاجات – عن قطع الانترنت مبرراً : ” ان العالم الرقمي (الانترنت) حقيقة معاصرة وحق للجميع، ووسيلة لاستنطاق الأصوات المكبوتة والآراء الحرة.. وان السلطات دفاعاً عن حقوق المجموع مرغمة احياناً لتقييده عندما ترى انه يستخدم للترويج للعنف والكراهية والتآمر على الوطن وتعطيل الحياة العامة التي هي ايضاً حق لكافة المواطنين. ”
وثّقت منظمات دولية ومحلية (الأمم المتحدة/يونامي – مفوضية حقوق الإنسان، Access Now، NetBlocks، CPJ ومؤسسة أنسم للحقوق الرقمية) الحجب والقطع بأدلة قياس تقني وتقارير ميدانية، وربطتها بانتهاكات أوسع خلال القمع (قتل، إصابات، اعتقالات).
من جانب آخر، أفاد متظاهرين بتوقيفات عند السيطرات الأمنية شملت تفتيش الهواتف بحثاً عن صور او محتوى احتجاجي بدون امر قضائي، وهو ما أكّدته تقارير وإحالات أممية، ويُعدّ انتهاكاً لخصوصية الاتصالات ويحمل مخاطر الابتزاز والتتبع، كما يخالف الدستور العراقي الذي ينص في المادة 40 (حرية الاتصالات والمراسلات البريدية والبرقية والهاتفية والالكترونية وغيرها مكفولة ولا يجوز مراقبتها أو التنصت عليها أو الكشف عنها إلا لضرورة قانونية وأمنية وبقرار قضائي)
تسلسل زمني موجز للقطع والحجب (تشرين 2019)
– 2 تشرين الأول/ أكتوبر: حجب فيسبوك/تويتر/واتساب/إنستغرام ومنصات أخرى مع بدء الاتساع في بغداد والجنوب بعد يوم واحد من انطلاقها وانتشار مظاهر قمعها بالقناصين والرصاص الحي.
– مساء 2-3 تشرين الأول /أكتوبر: تحوّل الحجب إلى قطع شبه كلي: 75% من البلاد (بما فيها بغداد) بلا إنترنت لعدّة أيام.
– 11 تشرين الأول /أكتوبر: بدأ عودة تدريجية: بقيت بعض قيود المنصّات قائمة، وكانت الخدمة بطيئة ومتقطّعة.
– 11 تشرين الثاني/نوفمبر: عودة القطع على نحو مؤقت ساعات/أيام: حيث اعتاد العراقيين على عودة الخدمات ساعات معينة وحجبها بساعات اخرى.
– 21 تشرين الثاني /نوفمبر: ” رفع جزئي ” لحجب المنصّات بعد قرابة 50 يوم من القيود المتواصلة على التواصل الاجتماعي.
تتقاطع هذه القيود على الإنترنت ومنصّاته مع توثيق أممي عن تصاعد العنف ضد المتظاهرين في 1-9 و25 تشرين الأول/أكتوبر -4 تشرين الثاني/نوفمبر.
بمبررات فرض الأمن: انتُهكت الحقوق الرقمية للعراقيين
حرية التعبير والاحتجاج والتجمع السلمي والوصول للمعلومات:
تم تعطيل توثيق الانتهاكات وبثّها، وتقليص قدرة الصحافة على التغطية، بما في ذلك إغلاقات ومداهمات ضد مكاتب وسائل إعلام، أدت هذه الإجراءات إلى انقطاع قنوات التواصل والتنظيم السلمي وإجراءات الأمان أثناء القمع.
كما يمثّل الإنترنت جزء من بُنى التنظيم والحشد والتنسيق اللوجستي للتجمّعات السلمية، حيث إن قطعه يقوّض جوهر الحق ويحول دون “مبدأ المعرفة العامة” بإجراءات الأمن والسلامة، كما هو فضاء آمن يضمن حرية التعبير للأفراد عبر منصات التواصل الإجتماعي، وحجبّها هو قمع مباشر صوب حرية التعبير المكفولة للعراقيين.
حاول المحتجين توثيق الإنتهاكات في هواتفهم المحمولة، وإعادة رفعها عند عودة الانترنت على المساحات الآمنة، لأجل ارشفتها وعدم جعل الإجراءات القمعية تساهم في إعاقة توثيقهم للأحداث وارشفتها.
ورّد في تقرير من الأمم المتحدة 2022 يصف القطع الشامل بأنه “ غير متناسب” ويؤثر في حزمة حقوق متداخلة.
تعريض الأمن الرقمي للعراقيين وبياناتهم للخطر:
لجأ العراقيين بشكل متزايد ومُفاجئ بعد حجب منصات التواصل الإجتماعي إلى استخدام تطبيقات ” VPN ” المنتشرة والعشوائية غير المدفوعة، والتي يشكّل بعضها تهديد رقمي بأعتبارها غير آمنة وخاضعة للمخاطر الرقميّة، مما عرّض الأمن القومي العراقي وبيانات العراقيين بأجمعه للمخاطر نتيجة توجه بلد كامل نحو استخدام تطبيقات مجهولة.
الأثر الاقتصادي والاجتماعي:
كما في حالات قطع الأنترنت اوقات الامتحانات – والتي اشرنا لها في تقرير سابق – القطع يُخلّف خسائر اقتصادية وخدمية، ويعطل الأعمال الرقمية، ويضرّ بخدمات أساسية (صحة/طوارئ/ تعليم/ دفع إلكتروني /أنظمة رقميّة) تعتمد على الانترنت.
لم يترك الحجب تبعّاته على المحتجين وحدهم، بل عطّل قطاع الأعمال الالكترونية الناشئ في العراق، حيث وفقاً لتقرير من منظمة نيتبلوكس غير الحكومية المختصة بالأمن السيبراني، فإن الخسائر التي تكبدها الاقتصاد العراقي تصل الى 951 مليون دولار.
تفتيش الهواتف والأجهزة عند السيطرات:
تقارير وثّقت حالات إيقاف الشباب عند السيطرات في بغداد وتفتيش هواتفهم – بدون قرار قضائي – بحثاً عن صور او محتوى احتجاجي، مع توقيف فوري في بعض الحالات، اضافة الى محو أي آثار توثيق للإنتهاكات.
يذكر محتجين وناشطين في حديثهم لـ ” انسم ” توقيف السيارات المغادرة من مناطق قرب ساحات الاحتجاج، وتفتيش هواتف الركاب بحثاً عن أي محتوى يتعلق بالاحتجاجات.
كما ابرزت وثيقة أممية خاصة بالمرحلة الأولى من التظاهرات تُشير أيضًا لتفتيش الهواتف للعثور على اتصالات وصور وفيديوهات، بما يشكل – كما اشرنا سابقاً – مُخالفة للدستور والقوانين العراقيّة النافذة.
هذه الممارسة أرادت بث الخوف وثني الناس عن توثيق الأحداث رقمياً أو حتى الاحتفاظ بأي دليل على مشاركتهم في التظاهرات، وتكشف التقارير أن هذه الأساليب لم تكن جديدة، إذ استخدمت السلطات النهج نفسه مسبقاً ضد محتجي البصرة في صيف 2018 لقمع حراكهم.
المراقبة الإلكترونية واختراق الحسابات:
إلى جانب التفتيش الميداني، لجأت أطراف موالية للحكومة وبعض الفصائل المسلحة إلى هجمات سيبرانية وعمليات تجسس إلكتروني لاستهداف ناشطي الحراك.
يذكر تقرير لشبكة الجزيرة الإنجليزية أن ما يُسمى ” الجيوش الإلكترونية ” التابعة للأحزاب السياسيّة المسلحة تمكنت من اختراق هواتف وحسابات التواصل الاجتماعي لبعض الناشطين، من خلال هذه الاختراقات تجسست تلك الجهات على مراسلات الناشطين وخططهم بل وقامت بإرسال تهديدات مباشرة لهم .
يكشف أحد المشاركين في الاحتجاجات خداع الكثير من المحتجين لتحميل تطبيقات مزيفة تسرق الرسائل من هواتفهم، ما سمح للأجهزة الأمنية والقوى المسلحة بمعرفة أماكن تجمعاتهم مسبقاً ونصب كمائن واعتقالهم قبل انطلاق المظاهرات.
هذه الحرب السيبرانية تشير إلى تطوير السلطات قدراتها في الرقابة الرقمية بمعونة فنية خارجية، حيث تحوّل الفضاء الإلكتروني إلى ساحة أخرى للقمع عبر القرصنة وسرقة البيانات الخاصة بهدف إجهاض الحراك الشعبي والانتقام من قادته رقمياً.
الإطار الدستوري والقانوني الملزم والمرجعي:
- الدستور العراقي (2005): يكفل حرية التعبير والصحافة والتجمّع السلمي (المادة 38)، حيث أي تقييد يجب أن يكون “بقانون” وأن يحترم الضرورة والتناسب ولا ينتهك جوهر الحق.
- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية: يحمي حرية التعبير (مادة 19) والتجمّع السلمي (مادة 21). حيث القيود يجب أن تكون منصوصاً عليها بالقانون، وأن تتّسم بالضرورة والتناسب لتحقيق هدف مشروع، ويُشار إن العراق صادق على الالتزام ببنوده.
- قرار مجلس حقوق الإنسان 2016 (A/HRC/32/L.20): يدين بوضوح ” تعطيل الإنترنت المتعمد” ويدعو الدول للامتناع عن مثل هذه الممارسات.
كما قدَّم المحامي محمد جمعة دعوى قضائية ضد قطع الانترنت في محكمة بداءة الكرخ، يُطالب فيها بإلزام المدّعى عليه (وزير الاتصالات) ” بإلغاء قرار إيقاف خدمة الإنترنت في البلد كونه عمل غير مشروع مخالف لأحكام الدستور والقوانين النافذة ” والتعويض عن الضرر نتيجة التعدي على الحرية “
انسم – سمكس – اكسيس ناو: منظمات حقوقية رقميّة برزّت مواقفها بوجه القمع في احتجاجات تشرين
أطلقت مؤسستنا ” انسم ” مع سمكس حملة ضد قطع الانترنيت وحجب المنصات، عبر إطلاق عريضة بهاشتاج #لا_لقطع_الاتصالات تم توقيعها من عشرين ألف شخص تضامنوا معها.
حيث برزت مُطالبة انسم وسمكس باحترام حقوق المواطنين والمستخدمين وإعادة الإنترنت في العراق والامتناع عن قطع الخدمة في كردستان، ولما لذلك من أضرار حقوقية واقتصادية وإجتماعية وإنسانية، وتهديد مباشر يمّس سلامة المحتجين.
كما إن منظمة أكسس ناو (Access Now): أطلقت حملة ضمن تحالف #KeepItOn للضغط على السلطات العراقية لوقف قطع الإنترنت.
في تقرير مفصّل نشرته بتاريخ 4 أكتوبر 2019، وصفت أكسس ناو ما جرى بأنه ” إغلاق شبه كامل للإنترنت وسط احتجاجات عنيفة ” وأكدت أن 75% من العراق عاش في عزلة رقميّة خلال الأيام الأولى، حيث نبّهت المنظمة إلى أن حجب الإنترنت يقيّد تدفق المعلومات ويقوض حرية التعبير ويمنع المتظاهرين والصحفيين من توثيق الانتهاكات، كما قادت مع اكثر من 200 منظمة تقنية وحقوقية أخرى ضمنها ” انسم ” رسالة مفتوحة إلى الحكومة العراقية في 8 نوفمبر 2019 تطالبها بإبقاء الإنترنت مفتوحاً وآمناً، محذّرةً من أن حجب الشبكة يشكّل قمعاً لحقوق الإنسان الرقمية للمواطنين.
في النتيجة: الحجب للمنصات والقطع الشامل للانترنت والتفتيش الأمني الرقمي العشوائي كما وقع في تشرين 2019، لا يستوفي المعايير الشرعية والضرورة والتناسب وفق القانون الدولي، و يتعارضان مع الضمانات الدستورية والقانونية الوطنية، ويُشار إلى استعماله كأداة بالقمع الممُارس ضد المتظاهرين في الاحتجاجات .
مجمل هذه الممارسات – من حجب منصات التواصل وقطع الانترنت إلى تفتيش الهواتف واختراق الحسابات – تؤكد أن الانتهاكات الرقمية في احتجاجات تشرين 2019 لم تكن عشوائية، بل جاءت ضمن استراتيجية منهجية لعزل الحركة الاحتجاجية عن العالم وإسكات أصواتهم بكافة الوسائل التقنية، وقد خلقت هذه الأساليب حالة من الرقابة الذاتية والخوف بين الناشطين حتى بعد انتهاء موجة التظاهرات، لما شكّلته من سابقة في انتهاك الخصوصية والحريات عبر الفضاء الرقمي.
كانت تلك الأحداث في تشرين درساً مهمًا حول العلاقة الوثيقة بين التقنيات الحديثة وحقوق الإنسان، وحول أهمية صون حرية الإنترنت كجزء لا يتجزأ من حريات التعبير والتجمع في العصر الرقمي الحديث.
