أوروبا تقرر رفع سن استخدام التواصل الاجتماعي.. هل آن أوان إعادة تعريف سن الطفولة الرقمية؟
لم يكن قرار البرلمان الأوروبي الداعي إلى تحديد سن 16 عاماً كحد أدنى لاستخدام منصّات التواصل الاجتماعي مجرد خطوة إجرائية جديدة في مسار تنظيم استخدام الانترنت، بل كان انعكاساً لقلقٍ عالمي حقيقي يتزايد منذ سنوات و نقاشات مفتوحة، فالأطفال اليوم يدخلون فضاءً رقمياً لا يشبه طفولتنا ولا حتى طفولة الجيل الذي سبقهم بقليل؛ فضاءٌ مشحون، عدواني أحياناً، لا يُفرق بين طفل ومراهق وبالغ، مليء بالصور المتلاحقة والخوارزميات التي تعرف كيف تستدرجهم أكثر مما يعرفون هُم كيف يحمون أنفسهم.
لقد جاء القرار الأوروبي بعد أن كشفت تقارير مثل ” EU Kids Online Online ” – هو واحد من أهم وأكبر المشاريع البحثية في أوروبا فيما يخص سلامة الأطفال على الإنترنت، حيث يقدّم تقارير دورية تهدف إلى فهم كيفية استخدام الأطفال للإنترنت وما المخاطر التي يواجهونها وسُبل حمايتهم – إضافة إلى تحذيرات المفوضية الأوروبية وبيانات Europol التي كشفت عن واقع صادم: اطفال ومراهقين في سن 13 و14 و15 عاماً يعيشون داخل دوامة رقمية أعقد من قدرتهم الذهنية على استيعابها، ولا يُمكن الاكتفاء بتحذيرهم لأن المنصّات صُممت أساساً لتستحوذ على الانتباه، ولأن الحدود بين الترفيه والإيذاء أصبحت هشة إلى حدّ يجعل المراهق غير قادر على التمييز بين ما يراه، وما يجب أن يرفضه، وما يخفيه عن والديه.
تتحدث البيانات ايضاً عن ارتفاع غير مسبوق في التعرض للمحتوى الضار، مع حالات عنف وتنمر رقمي تتطور إلى اكتئاب، وعن استغلال جنسي يمر عبر الرسائل الخاصة.
في مواجهة هذا الواقع، لم يعد منطقياً – كما يقول النواب الأوروبيين – أن يبقى طفل بعمر الثالثة عشرة وحيداً داخل خوارزمية لا يملك الأدوات اللازمة لمواجهتها.
من هنا جاءت دعوة البرلمان الأوروبي إلى رفع سن الاستخدام إلى 16 عاماً، ومراجعة آليات التحقق من العمر، وتشديد التزامات منصّات التواصل، بتبرير أن الطفل يحتاج حماية قبل أن يحتاج حرية رقمية، وأن هذه الحماية ليست ترفاً بل حقاً أساسياً يوازي حقه في التعليم والصحة.
أوروبا ليست وحدها في هذا المسار، ففي أستراليا – كما ذكرنا بتدوينة سابقة – كانت النقاشات أكثر حدة ووضوح، فقد وصلت الحكومة هناك، في مايو 2024، إلى قناعة بأن المنصّات الرقمية لم تعد بيئة آمنة للمراهقين، وأن الآثار النفسية – من القلق إلى محاولات الانتحار المرتبطة بالتنمر – لم تعد حوادث فردية، بل ظاهرة جماعية.
بناءً على ذلك، أعلنت أستراليا حزمة قوانين تهدف إلى رفع سن الاستخدام إلى 16 عاماً، مع إمكانية رفعه إلى 18 لبعض المنصّات عالية الخطورة.
المثير في التجربة الأسترالية أنها لم تكتفي بالتحذير. بل وضعت خطة عملية تقوم على خدمات تحقق مستقلة لا تتحكم فيها الشركات، وعلى غرامات ضخمة تصل إلى نصف مليون دولار، وعلى رفض قاطع لأي شكل من أشكال التحقق البيومتري للأطفال حفاظاً على خصوصيتهم، مؤكدةً إن حماية الطفل ليست مسؤولية الأسرة وحدها؛ بل مسؤولية مؤسسات حكومية ترى أن المنصّات باتت تتدخل في تربية الجيل الجديد أكثر مما تفعل المدارس
وعلى الطرف الآخر من الكرة الأرضية، كانت الدنمارك تتحرك باتجاه مشابه ولكن بنهج مختلف، حيث اختارت الدولة نموذجاً يربط بين الهوية الرقمية الوطنية وبين حماية الطفل، عبر ” المعرّف الرقمي – MitID ” الذي يتيح التحقق من العمر دون المساس بالخصوصية عبر مشاركته من البيانات المُسجلة للمواطنين.
لم تكتف الدنمارك بالتشريعات، بل وضعت خطة شاملة لخفض تعرض الأطفال للمحتوى المؤذي بالتعاون مع المدارس والجهات التعليمية،وتحدثت الحكومة عن تصميم المنصّات بأساليب إدمانية تستغل هشاشة الأطفال في اعتراف نادر من دولة أوروبية بأن المشكلة ليست في الطفل بقدر ما هي في تصميم البيئة الرقمية نفسها.
وعندما ننظر إلى هذه التجارب من بروكسل إلى كانبيرا إلى كوبنهاغن، يمكننا أن نلاحظ بسهولة أن المخاوف المُتشاركة هي ذاتها: الخوارزميات لم تعد محايدة، وآليات التحقق من العمر أصبحت بلا معنى، والعنف الرقمي ضد الأطفال تضاعف بصورة تهدد صحتهم النفسية والجسدية.
ورغم أن هذه التشريعات تبدو للوهلة الأولى خطوة ضرورية لحماية الأطفال، إلا أنّها واجهت أيضاً انتقادات من بعض منظمات الحقوق الرقمية في أوروبا وخارجها. فهذه المنظمات تحذر من أن رفع سن الاستخدام أو فرض آليات تحقق صارمة قد يتحوّل – دون قصد – إلى بوابة رقابية ابويّة تُقيد حق المراهقين في التعبير، وتحُد من قدرتهم على الوصول إلى المعلومات والمشاركة في النقاش العام، حيث جزء من الحقوقيين أن الحل لا يجب أن يكون بحرمانهم من الفضاء الرقمي، بل بإصلاح المنصات نفسها عبر الحدّ من المحتوى الضار، وضبط الخوارزميات التي تعزّز الإدمان، وتوفير أدوات حماية وتوعية تحاكي مستوى نضج الطفل وثقافته الرقمية، بدلاً من اللجوء إلى الحل الأبسط والأسرع وهو المنع.
هذه الأصوات المعارضة لا ترفض حماية الطفل، لكنها تدعو إلى حماية مبنية على التمكين لا الحجب، وعلى إصلاح جذور المشكلة لا ملاحقة مظاهرها.
بالنسبة للعراق والمنطقة العربية، فإن هذه النقاشات ما زالت بعيدة، وإن المؤسسات غالباً ما تتجه اما الى المنع الصارم غير المبرر، او الى الإهمال وعدم التوجه صوب التوعية الرقمية.
فإن العنف الرقمي اليوم في بيئتنا أصبح أكثر قسوةً وانتشاراً، والابتزاز الإلكتروني صار واقعاً يومياً، والفراغ التشريعي في مجال حماية الطفل والبيانات الشخصية – خصوصاً في العراق – يترك الأطفال والمراهقين مكشوفين تماماً، ومع غياب تعليم رقمي حقيقي في المدارس او توعية بالثقافة الرقمية والاستخدام الآمن للانترنت، تصبح تربية الأطفال رقمياً مهمة تُركَت للمنصّات نفسها، وهي منصّات صُممت في أساسها لأجل جذب الانتباه – لا لحماية المستخدمين الصغار.
في النهاية، حماية الطفل والمراهق ليست قرار عمر فقط، وليست منعاً أعمى، ولا تحميلًا للأهل أو للمدارس مسؤولية لا طاقة لهم بها، إنها مسؤولية مجتمعية كاملة، تبدأ من تشريعات واضحة تحمي البيانات، وتمتد إلى منصّات تلتزم بالسلامة، وإلى تعليم رقمي يهيّئ الطفل لفهم العالم الافتراضي، لا للوقوع ضحية له.
العالم حولنا يتحرك بسرعة لإعادة تعريف الطفولة في العصر الرقمي، وأوروبا، أستراليا، والدنمارك تقول لنا، كلٌّ بطريقتها:
إنّ الوقت قد حان لنسأل أنفسنا – في العراق والمنطقة العربية – كيف نريد لأطفالنا أن يكبروا؟
ومَن يتحمل المسؤولية إذا تُركوا وحدهم داخل خوارزميات لم تُصمّم من أجلهم، بل صُممت لتربح منهم؟
